بالتحادث والتحاور يتفاهم الناس

الخميس 2014/05/29

من شيمي وخصالي، أو هي عيوبي حسب البعض، أنّي إذا أبديت رأيا أو تبنّيته، دافعت عنه بكلّ شدّة وبرهان. لكنّي رغم هذا، أترك دوما المجال مفتوحا لاحتمال عدم صوابي. أفعل ذلك لإيماني بأنّ الكمال لله، وأنّ أيّ عمل بشري معرّض للخطأ أو السّهو أو الالتباس. لذا تركت دوما الحكم للأيام، إذ هي وحدها كفيلة بإثبات الحقيقة بدليل الواقع وأحداثه. تماشيا مع هذه السليقة، أو هذه العادة التي اتبعتها دائما، جلست لنفسي الأمّارة بالسوء، أحاسبها عمّا دفعتني لإتيانه فأتيته، إن قولا أو فعلا، فاستعرضت جلّه إلى أن بلغت ما أنجزته بإمرتها بالقلم واليراع، بل بلوحة لمسات الحاسوب، وهذا أصدق، فتوقفت عند العمل الذي نشرته لي مؤخرا جريدة العرب الغراء، معظمه خصصته لما اعتبرته مصيبتنا المعاصرة، ورأيت فيه انحراف بعضنا عن السبيل السّوي، فانتقدت وعنّفت ونصحت ووجّهت من أسميتهم “المتأسلمين”، لأنّي إن قلت المسلمين حشرت الجميع في خانة المذنبين، وهذا لعمري ظلم مبين، لأنّ معظم المسلمين من كلّ تزيّغ، أبرياء.

عدت إلى مقالاتي فقرأتها بكلّ تمعّن وتبصّر، سائلا نفسي عن صواب ما كتبت، باحثا فيه عن أيّ خطأ أو زلل. لم أجد رأيا غير منطقي، أو غير مؤيّد بدليل الوقائع. لم أكتف بحصيلة بحثي، وخشيت العمل بما جاء في قول الشاعر وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة * لكن عين السخط تبدي المساويا فقرّرت العمل بالمثل الفرنسي القائل: يأتي الليل بالنّصيحة. فانتظرت الليل فعملت بمثل آخر، أسباني هذه المرّة وهو: إن احترت استشر الوسادة. فأسندت رأسي ليلا للوسادة، وطلبت منها ومن الليل النّصح والإشارة، فأتتني، وعملت بها وخلاصتها العودة إلى كتاب الله. نهضت وجلست لحاسوبي، ففتحت موقعا لي فيه المصحف الشريف وتفاسيره، فجعلت أقرأ وأتبصّر فأفهم وأعتبر. كلّما طويت صفحة أو أتممت سورة، ازداد سروري وتضاعف اطمئنان قلبي لصواب ما كتبت، وأني به لم أعتد بل عملت بالنصيحة الكريمة: من رأى منكم منكرا فليقومه بيده وإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه. غمرني السّرور وراحة النّفس فتمنّيت لو أني بعد محاسبة نفسي، جالست هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم فاتحين مبشّرين، وهم في الحقيقة من الضالين المُضلَّلين، صنيعة الطغاة الظالمين، اغتنموا قهرهم مواطنين مسحوقين، فالتقوهم في بيوت الله وهم خاشعون، فنفثوا فيهم سمومهم. تمنيت مجالستهم وبحث نواياهم، باللّين لعلّهم يقنعوني أو يهتدون.

لكنّي ها أنا أفعل ذلك تخيّلا، بواسطة هذه الصّحيفة المناضلة بحثا عن الحقيقة، فأقول: “تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين”. فأجادلهم بالتي هي أحسن، كَلِمَة طَيِّبَة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، ولا برهان لي غير ما جاء في كتاب الله الذي يدّعون أنهم عنه مدافعون والله سبحانه قال “وإنّا له لحافظون”.

قد يسألني المطلع على هذه الأسطر عمّا وجدته حتى أطمئنّ وبه أجابه المتعنّتين. وجدت أنّ الدّين عند الله الإسلام، وأنه خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف، وأنّ أكرمنا عند الله أتقانا. كما وجدت أمره سبحانه: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا وكونوا عباد الله إخوانا”. وازداد قلبي اطمئنانا عندما قرأت: “ولا تقولوا بما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إنّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون”. ثمّ يوجّه سبحانه نبيّه الأمين فيقول: “فذكّر إنّما أنت مذكّر لست عليهم بمسيطر”، لأنّه لا إكراه في الدّين، وأنّ الهداية من الله: “إنك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء”.

بحثت عن مبرّر للعنف فلم أجده، بل وجدت: “وقاتلوا الذين يقاتلونكم”، ووجدت: “ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين”، والنّهي عن القتل إذ يقول وهو أصدق القائلين: “ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق”، لأن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعا.

فأين هذا وغيره، ممّا نشاهده ونسمع عنه في ليبيا، وغيرها، التي ابتلاها بهذا المرض وزؤامه، بهذا الوباء المتسرّب تحت ستار الدّين وهو ليس من الدّين في شيء، لأنّ الدّين أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. الدّين أخلاق وسلوك قويم، من ذلك أدب التحية، وإذا حيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردوها، والقصد في المشي لقوله جل وعلا: “واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير”، والحث على التعاون والتآزر، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. وفوق كلّ هذا، الحث على العمل وإتقانه فيوصي به قائلا: “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”، مؤكدا بقوله “إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا”.

إنّ المجال يضيق فلا يحتضن كلّ ما جاء في كتاب الله من توصيات وتوجيهات، كلها صلاح ولين وأمن وسلام، من ذلك الوفاء بالعهد لأن العهد كان مسؤولا، والتّواضع وخفض الجناح: “واخفض جناحك للمؤمنين”، “واصفح الصّفح الجميل”.

نهضت مطمئنا ليقيني أنّي اجتهدت وأصبت، وأني قاومت المنكر الذي يأتيه ضالون مغامرون باسم الدين، يقتلون ويعتدون وهم في غيّهم يعمهون. قاومته بقلمي عسى أن يتّعظ من أراد الله به خيرا ومن أبى أقول له : “وسيرى الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون”. صدق الله العظيم.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9