بالذمة والأمانة

نعرف أن واحدة من القيم التي أضاعها المجتمع هي الأمانة: من يجد شيئا لا يعيده إلى أصحابه وأظن أن المنظومة المصرفية انتبهت إلى هذا فراحت تصدر أوراقا نقدية تشجع من يجدها أن يعيدها إلى صاحبها.
الثلاثاء 2018/08/07
صخب الإعلانات

الحقيقة التي لا نعيها لكنها تظهر وتذكرنا بوجودها كل حين. نحن أمة إعلانات: شعاراتنا أقرب إلى الإعلان مدفوع الأجر، خطابنا السياسي له صيغة البوستر، فلسفة الحياة كلها مصاغة بطريقة الإعلان.

أتذكر هذا رمضان. نعيش شهرا على وقع الإعلانات التي تشكل في ما بينها وجودا أمده شهر مكونا من شوربة العدس والمسلسلات.

أبلغ مقولة سياسية لدينا لها صيغة الإعلان. عبارة مصطفى كامل الشهيرة التي قادت التوجه السياسي في مصر هي كلمة إعلان “لو لم أكن مصريا لتمنيت أن أكون مصريا”. هذا بالضبط كلام إعلان ومنطق مبيعات.

المشكلة أننا خضنا معارك مهمة وخسرناها لأننا دخلنا الصراع بمنطق الإعلان. لا نقول معارك المصير مع إسرائيل فالحديث هذا مكرر ومملول. لكن لننظر إلى مشاركتنا في كأس العالم. لم نتدرب بمقدار ما وضعنا إعلانات تقول كلاما فجا لا يستقيم مع أي منطق سوى منطق الإعلان.

ماذا تعني عبارة “شجع بروح الفانيلا”؟ هراء لا معنى له خارج عقل الإعلان. وهكذا بقينا طيلة فترة مشاركتنا نعلن ونرقص ونردد الأهازيج والعالم من حولنا يحقق انتصارات أو خسائر لكنه ليس في موقع المعلن، بل اللاعب المشارك.

وسط صخب الإعلانات لفت نظري إعلان لأحد البنوك الكبرى في مصر. يقول المعلن إن هذا المصرف يهمه أكثر مما يهم الحفاظ على القيم والأخلاق وما جبلنا عليه من مثل وقيم.

قبل أن نسأل ما هي القيم التي تقع حمايتها على عاتق ذاك البنك. والأهم أن نعرف كيف يتسنى لأي مؤسسة مصرفية أن تحافظ على قيم المجتمع. أعني بأي وسيلة.

العلاقة بين حماية القيم والمنظومة المصرفية ملتوية وتحتاج إلى تفسير ماكر أعتقد أنه لدي. نعرف أن واحدة من القيم التي أضاعها المجتمع هي الأمانة: من يجد شيئا لا يعيده إلى أصحابه وأظن أن المنظومة المصرفية انتبهت إلى هذا فراحت تصدر أوراقا نقدية تشجع من يجدها أن يعيدها إلى صاحبها. هذا لا يتم دون أن تكون النقود غير ذات قيمة. فظهرت عملات ورقية ليس الهدف منها التداول والبيع والشراء، بل إنها مصصمة لتشجيع من يجدها أن يعيدها إلى صاحبها.

 في مصر هناك ورقة نقدية كاملة الأوصاف والتصميم من فئة خمسة وعشرين قرشا. ولا أستطيع أن أتصور ما يمكن فعله بهذه الورقة. هذه عملة من يجدها سيجد نفسه في منتهى الأمانة يعدو خلف صاحبها يعيدها. وبهذا تظل الأمانة حيّة في المجتمع وتظل الـ”25 قرشا” في التداول لا ينفقها أحد.

24