بالغ الرضا: تركيا ترى في المصالحة السعودية القطرية فرصة استراتيجية

أي تنازلات من أنقرة لتجاوز المقاطعة الشعبية السعودية الواسعة لمنتجاتها؟
الأحد 2020/12/06
تجاوز مرحلة

أنقرة - لم تخف تركيا رضاها عن مسار التهدئة الذي يجري ترتيبه بين السعودية وقطر كونه يوفر للأتراك فرصة لحضور إستراتيجي في المنطقة، حيث تعتبر أنقرة أن الموقف السعودي – الإماراتي منها والمقاطعة الرباعية لقطر ساهما في تعثر هذا الحضور وفي عدم التمكن من فرضه كواقع على الأرض.

وأعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسم أولويات بلاده لتكون منطقة الشرق الأوسط المجال الحيوي لإعادة بعث روح إمبراطورية لا يخفيها، تعتمد بالدرجة الأولى على تمكن أيديولوجي يوفره الإخوان، وقدرة مالية وإعلامية تتكفل بها قطر.

ويعتبر أردوغان أنه الأحق في فرض مشروعه في المنطقة، في منافسة مشاريع أخرى أهمها المشروع الإيراني، أمام حالة استثنائية من التراجع العربي وصل إلى ذروته بعد غزو العراق عام 2003 وانهيار مجموعة من الدول العربية المحورية أو وقوعها في دوامة حروب طائفية وأهلية كنتيجة لما سمي بـ”الربيع العربي”.

بالرغم من التوجه الرسمي إلى التهدئة من خلال اتصال الملك سلمان بأردوغان، لم تتأثر حركة المقاطعة الشعبية

لكن التحمّس التركي للاستفادة من عودة العلاقات بين الرياض والدوحة سيحتاج إلى وقت لمعرفة ما إذا كان الانفتاح السعودي على الدوحة وأنقرة سيؤدي إلى مصالحة شاملة أم هو انفتاح تكتيكي مرتبط بحسابات سعودية على صلة بسياسات الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن ومواقفه من إيران وأنشطتها في المنطقة.

ورحّبت تركيا، الجمعة، بالتقدّم المُحرز لحلّ الأزمة بين السعوديّة وقطر. وأعربت وزارة الخارجيّة التركيّة في بيان عن “بالغ رضاها حيال التطوّرات الإيجابيّة التي شهدتها الأيّام الأخيرة في سبيل حلّ الأزمة المستمرّة منذ يونيو 2017 في منطقة الخليج”.

وتمنّت الخارجيّة التركيّة أن “يتمّ حلّ أزمة الخليج من خلال الحوار، دون شروط مسبقة”.

ويقول متابعون للشأن الخليجي إن المصالحة داخل مكونات مجلس التعاون، سواء كانت بين الرياض والدوحة أم توسعت لتشمل بقية دول المقاطعة، لا تعني بالضرورة أن تكون مصالحة مع تركيا وبالدرجة نفسها، خاصة مع السعودية.

ويشير هؤلاء المتابعون إلى مخلفات قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وكيف قاد الاستثمار الدبلوماسي والإعلامي التركي لهذه القضية إلى استهداف مباشر للقيادة السعودية وصورة المملكة، ومس مشاعر المواطنين السعوديين على نطاق واسع، خاصة أن هذا الاستهداف كان منظما واستمر وقتا طويلا.

ويسود انطباع واسع لدى الرأي العام السعودي بأن تركيا عملت على ابتزاز الرياض في قضية خاشقجي وبالغت في الخصومة بما يتنافى مع الأعراف الإسلامية، ولم تراع مصالح تركيا نفسها مع الخليج، وهو ما يفسر التفاعل الواسع مع الدعوات التلقائية التي انطلقت من مواقع التواصل مطالبة بمقاطعة المنتجات التركية.

وتقول تقارير إعلامية إنه بالرغم من التوجه الرسمي إلى التهدئة والذي عكسه اتصال العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان عشية قمة العشرين، فإن حركة المقاطعة لم تتأثر. كما أن النشطاء على مواقع التواصل مازالوا يروجون لدعوات المقاطعة، مشككين في نوايا تركيا ورئيسها، واعتبروا أن تركيا لم تغير موقفها وتريد الحصول على دعم سعودي للخروج من أزمتها أكثر من رغبتها في مصالحة جدية.

وتراهن تركيا على الخروج من مقاطعة خليجية زادت في إرباك اقتصادها بعد توقف الاستثمارات السعودية في قطاعات حيوية مثل قطاع العقارات، فضلا عن توقف حركة السياحة بشكل شبه كامل.

وأكّدت قطر والسعودية، إضافةً إلى سلطنة عمان والكويت، الجمعة تسجيل تقدّم لحلّ الأزمة في الخليج المتمثّلة في مقاطعة عدد من دول المنطقة للدوحة.

ويحتاج التطبيع السعودي مع أنقرة إلى العودة إلى ما قبل أزمة 2017 مع قطر، وخاصة ما تعلق بالوجود العسكري التركي في قطر، وهو وجود يعتبر السعوديون أنه يهدد أمنهم، مثله مثل التهديد الإيراني، خاصة أن المسؤولين الأتراك لم يخفوا في تصريحاتهم خلال الأزمة استعدادهم للجوء إلى الخيار العسكري لحماية قطر، وهي رسالة تؤشّر على أن تمركز الجنود الأتراك بعتادهم ليس علامة سلام.

ويتمركز الآلاف من الجنود الأتراك في قاعدة بقطر ويتوزعون على قوة برية وبحرية وجوية وقوات خاصة، وسط تخوفات خليجية من أي مغامرة تركية في المستقبل، وهي مخاوف في تزايد بعد المغامرات التركية في سوريا وليبيا وشرق المتوسط وإقليم ناغورني قره باغ.

ويترقب المراقبون أن تفصح الدول المعنية بهذه “المصالحات” عن شروطها وحدود تنازلاتها لإنجاح هذا المسار، وما إذا كان هذا التقارب الذي تحتفي به وسائل الإعلام القطرية سيتحول إلى واقع حقيقي من خلال حل مختلف نقاط الخلاف، أم يمكن أن يعاد تحريكه بعد توضح السياسات الأميركية الجديدة في الخليج.

وقد تضع المناورة التركية القطريةُ السعوديةَ في وضع حرج، خاصة أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قد قال إن تحرك بلاده نحو قطر يتم بالتعاون مع بقية دول المقاطعة، وأن حلفاء بلاده “على الخط نفسه” في ما يتعلّق بحل الأزمة الخليجية.

وقال الأمير فيصل بن فرحان في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية “نتعاون بشكل كامل مع شركائنا في ما يتعلّق بهذه العملية ونرى احتمالات إيجابية للغاية باتّجاه التوصل إلى اتفاق نهائي”، مضيفا أن “جميع الأطراف المعنية ستكون مشاركة في الحل النهائي”.

وإثر سؤاله عما إذا كان النزاع يتّجه إلى تسوية كاملة؟ أجاب “نتصور حلا يغطي جميع الجوانب ويرضي كافة الأطراف المعنية”، مشيرا إلى أن ذلك سيحدث “قريبا”.

ورجّح محللون أن يقتصر أي اختراق يتم تحقيقه على العلاقات بين الرياض والدوحة، وأن يستثني خصوصا الإمارات التي كانت أشد الدول انتقادا لقطر منذ أن بدأت الأزمة.

وفي وقت سابق هذا الشهر، استبعد سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة أن يُحل الخلاف في وقت قريب، قائلا إن ذلك “ليس على قائمة أولويات أي شخص”.

1