"بالقرب من هنا" المدن العربية في أعين المصورين الشباب

الخميس 2014/10/23
المعرض شكل نظرة بيئية بوسائل فوتوغرافية

القاهرة - كيس أزرق اللون من البلاستيك عالق بغصن شجرة جاف في مكان ما بالقرب من القاهرة، سيارة حمراء مهملة عند سور أحد الأحياء السكنية في الدار البيضاء، تمثال من البلاستيك يبدو أنه انشطر عن إحدى حكايات والت ديزني يعتلي المدينة ويتوجها.

جهاز الجراموفون صامت، ساعة حائط معلقة على جدار إحدى الورش في بيت المقدس، قفص موز، جريدة يومية، كومة من الخضروات في حارة ضيقة بإحدى مدن تونس، ساعة اليد إلى جانب زجاجة حليب طفل، وقداحة مثبتة في ورشة تشكيل الزجاج في رام الله.

إنها بعض التفاصيل التي تمثلها مجموعة أعمال المصورين الشباب من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، والمعروضة حاليا في مركز الصورة المعاصرة بالقاهرة حتى السادس والعشرين من هذا الشهر.

تعرض الأعمال تحت عنوان “بالقرب من هنا” وهي تمثل نتاج مجموعة من ورش العمل التي أقيمت خلال عامي 2013 و2014، في الدار البيضاء تونس والجزائر والقاهرة وبيروت ورام الله وعمان والخرطوم وأربيل ودبي.

أدار ورش العمل لفيف من المصورين من ذوي الخبرة قدموا من المنطقة ذاتها ومن ألمانيا، وتناول المشاركون فيها حالة البيئة المحيطة بهم. والتغير العمراني الذي طرأ عليها، بينما حددت كل ورشة عمل محاورها الخاصة.

وصفت الفنانة والمصورة الفوتوغرافية المصرية رنا النمر عرض ورشة العمل في القاهرة الذي اتخذ عنوان “طبقات من الخضرة” كالتالي: “كان الأمر بالنسبة لنا يدور حول تحفيز الفنانين لتصوير الأشياء وإبرازها في بورتريهات، لا سيما الأشياء التي يعتبرونها بمثابة إشكاليات، حيث تعين عليهم توثيق إدراكهم الشخصي للخضرة في المدينة، كذلك تشجيعهم على التقاط الصور لأشياء مرتبطة لديهم بالشعور بالحنين وبآمالهم وأفكارهم، بل وبهمومهم أيضا”.

هكذا نشأت مجموعات من الصور الموزعة في أماكن غير متناسبة معها في القاهرة والإسكندرية. عكست الصور جوانب مختلفة من الوضع الحالي في البيئة العمرانية المعنية، لتصحبنا الصور إلى أماكن ومواقع مختلسة من تسارع وتيرة الحياة في المدينة الكبرى.

مصورون من مصر وأثيوبيا وجنوب السودان ظلوا يرافقون صيادين بآلات التصوير في الخرطوم وفي أم درمان طوال يوم كامل، وزار بعضهم حدادين ممن يصنعون المعدات والسفن المعدنية الصغيرة المميزة، أو ورش الفخار التقليدية، حيث لا يزال الفخار يشكل يدويا وباستخدام القدم لتحريك القرص الدوار.
تناول المشاركون في المعرض حالة البيئة المحيطة بهم، والتغير العمراني الذي طرأ عليها من خلال ورشات خاصة

وقد شارك في ورش العمل التي كانت تستمر لمدة تتراوح بين ثلاثة وعشرة أيام مصممو جرافيك ومهندسون معماريون، ومصممو أزياء إلى جانب طلاب أكاديميات الفنون وخريجيها، فضلا عن دارسي إدارة الأعمال وعلم الأنثروبولوجيا الاجتماعي.

كما ألهمت تلك النظرة الفوتوغرافية للمشاركين المصورين المحترفين أيضا، وهو ما عبر عنه هاينريش فولكل الذي يعمل بوكالة “أوست كرويستس” في برلين، والذي سافر إلى الأردن من أجل ورشة العمل.

يقول هاينريش فولكل: “الأمر الذي كان يجدد النشاط الداخلي بالنسبة لي خلال ورشة العمل مع هؤلاء الشباب، يتمثل في تلك الحيادية التي كان المشاركون بورش العمل يواجهون بها التصوير الفوتوغرافي”.

بلغ عدد المصورين المدعوين إلى ورش العمل حوالي مئة مشارك. ثم وقع الاختيار على ثمانية عشر منهم من أجل المعرض عام 2014، وكان الغرض من ذلك محاولة تقديم قطاع عريض من هذه المشروعات الهائلة، حيث توضح لنا الأعمال أشكال الحس المرهف المختلفة التي وثق بها المصورون بيئاتهم العمرانية والاجتماعية.

فلطالما كانت الطبيعة التي غيرها الإنسان، وبدل شكلها هي التي تخطف الأنظار إليها. وقد تناول المشاركون في رشة العمل بتونس على سبيل المثال مشكلة القمامة الحاضرة في كل مكان ببلادهم، بل إن هناك مجموعة نشأت مؤخرا على “فيسبوك” تجمع الصور الملتقطة ذاتيا “سيلفي” أمام تل القمامة المتراكمة.

أما مصورو الأسكندرية فقد واجهونا بتراكيب غير معتادة، ركبت فيها مشاهد لمواطنين من الطبقة المتوسطة في بيئة فقيرة وقاسية. كما تظهر صور بيروت تأثيرات حرة لعملية البناء والتشييد المحمومة منذ نهاية الحرب الأهلية.

ذلك الوعد بعالم جديد جميل، الذي يتناقض بشكل صارخ مع واقع الحياة اليومية لهؤلاء الذين يشيدون عوالم السكن الجديد، كما تناولت مصورة مصرية كذلك موضوع تنظيم الفراغات أو الأماكن العامة.

من هناك التقطت الكاميرا صورا لمنشآت صغيرة محاطة بالأرجوحة الدوارة ودواليب الهواء، (أماكن موجودة بكثرة في القاهرة تبدو وكأنها منسية، لكنها تتحدّى الكتل الخرسانية والعمران المتزايد).

كما تناول مصورو الأردن والعراق السؤال التالي: كيف يمكن معالجة موضوع “المياه” بوسائل فوتوغرافية؟

وإلى أماكن منسية عادت مصورتا دبي والجزائر مرة أخرى إلى الأماكن التي ترتبط ارتباطا وثيقا بماضيهما، حيث نرى منازل خاوية يفترض بها أن تفسح المجال قريبا لناطحات السحاب، أو بيت الأجداد في إحدى القرى الجبلية النائية، حيث يظهر تصدع كبير في الواجهة.

كما نرى النقيض متمثلا في مشاهد التقطها مصور من الدار البيضاء، تظهر أكواخا فقيرة مثبتة بألواح الصفيح المجلفن.

في هذا المعرض يصحبنا المصورون الشباب معهم في رحلة إلى بيئتهم، ويعرضون لنا اختلاف طرائق استخدامهم للكاميرا، سواء كانت هي نظرتهم التي تسجل بيقظة، أو توثق بموضوعية، أو تحكي في صيغة سيرة ذاتية.

16