"بالقلب" دراما لبنانية تنجح في التسلُل إلى القلوب

أحداث المسلسل تسلّط الضوء على ظاهرة إطلاق النار العشوائي في المناسبات العائلية  في لبنان.
الثلاثاء 2020/06/09
علاقات متشعبة لا تخلو من إثارة وتشويق

مسلسل “بالقلب” هو أحد الإنتاجات المميزة للدراما اللبنانية هذا العام، وهو لم يعتمد في خطه الدرامي على قصص الحب التقليدية كما هو مُتبع وشائع في الأعمال الدرامية اللبنانية والكثير من الدراما العربية، فبين النجاح والإخفاق والحب والخيانة تدور أحداث العمل في سلاسة وملامسة حقيقية للمشاعر الإنسانية ومن دون افتعال أو مُبالغة في الأداء، مؤكدا أن الدراما اللبنانية باتت تتقدّم بخطى ثابتة كإحدى المواد الدرامية المُفضلة في الفضائيات العربية.

استطاع مسلسل “بالقلب” أن يستحوذ على اهتمام المشاهد اللبناني، بل ربما قد تجاوز الاهتمام المحلي أيضا إلى المُحيط العربي حين عرض أخيرا ضمن الموسم الرمضاني الماضي، فكان من بين الأعمال اللافتة خلال هذا الشهر.

ويتعرّض المسلسل للعديد من القضايا اللبنانية والإنسانية، كما تضمّن جُرعة من التشويق، من دون افتعال أو مبالغة، خلافا للمُتعة الدرامية بمقوّماتها المختلفة، من حبكة وإخراج وأداء.

والمسلسل كان قد عُرض منه عدد من الحلقات قبل أشهر قليلة، لكنه توقّف بسبب الاضطرابات التي سادت الشارع اللبناني وقتها، وفضلت القناة العارضة له “إل.بي.سي” وقف بثه وتأجيل عرضه كاملا إلى شهر رمضان. ومن أجل هذا كان المسلسل أحد الأعمال القليلة التي نجت من حالة الارتباك التي سادت معظم الأعمال الدرامية العربية بسبب الإجراءات الاستثنائية المُتعلقة بوباء كورونا.

ومسلسل “بالقلب” من إخراج جوليان معلوف وتأليف طارق سويد، وأدّى فيه دور البطولة كل من  سارة أبي كنعان وبديع أبوشقرة وكارمن لبس وستيفاني عطالله وجمال حمدان ودارينا الجندي وغبريال يمين ونجلاء الهاشم، بالإضافة إلى الفنان وسام فارس.

وتسلّط أحداث المسلسل الضوء على إحدى القضايا التي تهم المجتمع اللبناني والمُتمثلة في ظاهرة إطلاق النار العشوائي في المناسبات العائلية، وهي ظاهرة منتشرة بين العائلات والعشائر اللبنانية وتُخلّف سنويا العديد من الضحايا بين قتلى ومُصابين.

من هناك، ينطلق المسلسل من هذه القضية الهامة لتتشعّب مساراته الدرامية في ما بعد متطرّقا إلى العديد من القضايا الأخرى في إطار مُتخم بالتفاصيل والتعقيد.

الخط الدرامي الرئيسي في العمل يدور حول قصة الحب التي تجمع بين ناهي وديانا، ويلعب دورهما كل من وسام فارس وسارة أبي كنعان. تُواجه العلاقة بين الحبيبين تحديا بسبب الخصومة بين أهليهما، ما يضطرهما إلى الزواج من دون موافقة الأهل. ولا تمر أيام قليلة على إتمام هذا الزواج حتى يُقتل الزوج برصاصة طائشة.

سرعان ما تتجاوز عروسه هذه الفاجعة وتُكرّس كل جهودها لمحاربة ظاهرة إطلاق النار العشوائي في لبنان، وتُطلق حملة توعويّة ضد الرصاص العشوائي.

المسلسل يتعرض للعديد من القضايا الإنسانية دون افتعال أو مبالغة عبر إخراج جيد وأداء متزن وحبكة مرنة

وفي الأثناء لا تستغرق أحداث المسلسل الكثير من الوقت للحديث عن هذه القضية الشائكة التي تمثل هاجسا للبنانين جميعا، إنما يتّخذ منها منطلقا للأحداث اللاحقة كما ذكرنا.

وبين القضايا التي يناقشها المسلسل، مثلا، تأتي قضية التبرّع بالأعضاء بعد الوفاة، وهي تُعدّ القضية المحورية للعمل، خاصة حين نعرف أن الزوج القتيل قد أوصى بالتبرّع بأعضائه عقب وفاته. وبعد أن تتعافى العروس من أحزانها تلتقي بجواد (بديع أبوشقرة) والذي يحمل قلب زوجها بالتبرّع، أو هكذا كان يظن في البداية، إذ سنعرف لاحقا أنه كان على خطأ وأن القلب الذي يحمله يعود لمتبرّع آخر.

العلاقات المُعقّدة والمتشابكة لأبطال المسلسل والتي يرتبط أغلبها بالماضي تنعكس نتائجها على الحاضر، نعرف مثلا أن ديانا (سارة أبي كنعان) هي ابنة غير شرعية من زواج سري بين أمها (دارين الجندي) وأبيها (حسان مراد)، وهي تعيش مع شقيقة والدها فريال (كارمن لبس) بعد اختفاء أمها أو فرارها عقب ولادتها، أما والدها فهو يقضّي معظم وقته تحت تأثير الشراب.

وتتكشّف العديد من الأسرار والخفايا عبر الأحداث، لنعرف أيضا أن والد ديانا ليس والدها الحقيقي، وأن أمها ارتبطت به لتداري على حملها من رجل آخر. وثمة علاقة معقّدة أخرى تجمع بين فريال عمة ديانا ورجل كانت تربطها به علاقة عاطفية، ويعود حبيبها فجأة بعد عشرين عاما من الغياب.

وتبدو العلاقة بين فريال وحبيبها الذي يؤدّي دوره الفنان غبريال يمين مُربكة. لا تستطيع فريال نسيان ما فعله معها حبيبها بهروبه يوم عُرسهما، لكنها في الوقت نفسه لا تكفّ عن غرامها به. أما الفنانة ستيفاني عطالله فتلعب هنا دور ممرّضة تعاني من خيانة خطيبها، وملاحقة حبيبها السابق الذي ينتحر أمام عينيها في مشهد مؤثّر. وبين هذه العلاقات المعقّدة والشائكة ينبض الحب بين ديانا ومراد، وتتكشّف المزيد من الخفايا.

وبين كل هذه التفاصيل تتصاعد أحداث المسلسل على نحو مقبول، فالمعالجة الدرامية الجيدة خفّفت من حالة الارتباك والتشتّت التي قد تُصيب المشاهد جراء هذه العلاقات الكثيرة والمُتشابكة. أما الحوار فقد خلا من المبالغات المعهودة.

ومن بين الفنانين المشاركين في هذا المسلسل يبرز دور الفنانة سارة أبي كنعان بطلة العمل، والتي استطاعت تجسيد دور الفتاة المُشتّتة بين علاقتها بحبيبها وماضيها القاسي، وجاء أداؤها خاليا من التصنُع والافتعال. كما كان دور النجمة اللبنانية كارمن لبس لافتا، فشخصية فريال التي تؤدّيها اتسمت بالغموض في علاقاتها مع الآخرين.

كما تطالعنا كذلك النجمة نجلاء الهاشم بدور مميز، وهي تؤدّي هنا دور جدة الشاب ناهي المريضة نفسيا. وتميزت أيضا أدوار ستيفاني عطاالله وجان دكاش، إضافة إلى بديع أبوشقرة ورندة كعدي.

16