باماكو تفتقد ألوانها الطبيعية

عرف الأفارقة السمر، منذ القدم، بارتدائهم لملابس ذات ألوان زاهية، تحاكي الطبيعة المزهرة بتفاصيلها المتنوّعة، ويكمن سرّ ثراء تلك الثياب في صباغتها بألوان تستمدّ من مواد طبيعيّة، وتتفنّن النساء بصباغتها يدويّا.. باماكو، عاصمة مالي، كانت تحفل بازدهار هذه الصناعة التقليديّة، غير أنّها تشكو اليوم صعوبات تنبئ بفقدان تلك الألوان.
الجمعة 2015/05/01
الأقمشة الصينية تهدد سوق باماكو

باماكو- تنكبّ نحو خمسين امرأة، في مركز الصباغة اليدوية بمنطقة ديانيغيلا، الواقعة بمحيط العاصمة المالية باماكو، على صباغة قماش البازان الرفيع. الذي يعدّ فخر الأقمشة الأفريقية.

ومع أنّه عمل يتطلب جهودا ضخمة، فإن عراقيل عديدة تعترض طريقه خلال السنوات الأخيرة.

كان مركز الصباغة اليدوية بديانيغيلا يضمّ، منذ فترة غير بعيدة، 200 امرأة عاملة، ولم يبق فيه اليوم سوى ربعهن بسبب التراجع الكبير للأجور وسوء ظروف العمل.

يذكر أنّ هذا المركز الصناعي كان قد شيّد، عام 2011، في نطاق مشروع “الحوكمة والثقافة” الذي يشرف عليه مكتب اليونسكو في باماكو ومركز التراث العالمي وبتمويل مشترك بين المنظمة الأممية والاتحاد الأوروبي.

ونظرا إلى أهمية المركز فإنّ العاملات فيه يفدن من جميع أحياء العاصمة المالية، يعملن في فضاء واسع الأرجاء على صبغ قماش الـ“بازان” الأبيض المصنّع من القماش الدمشقي اللمّاع.

وتفيد إحدى العاملات، كانت تقوم بتغميس القماش الأبيض في برميل كبير معد للصباغة، أنّ قماش البازان غير الملوّن يتأتّى في الغالب من دول أوروبية كألمانيا وهولندا وأيضا من الصين.

الأجر اليومي للنساء العاملات في المصابغ لا يتعدى دولارين

وأعربت عاملة صباغة أخرى، فضّلت بدورها عدم ذكر اسمها، عن أسفها على زمن كان فيه المركز يغصّ بالعاملات، غير أنّ معظمهن اضطرّ للمغادرة بسبب ندرة العائدات وضعف الرواتب التي تسبّبت فيها أزمة 2012 السياسية والعسكريّة في مناطق عديدة من شمال مالي.

وحسب تصريحات عدد من العاملات في مركز الصباغة، فإنّه من النادر اليوم أن يتجاوز دخل كلّ منهنّ ما يعادل دولارين عن كلّ قطعة قماش، أي نحو نصف المبلغ الذي كنّ يحصلن عليه عند افتتاح المصبغة قبل أربعة أعوام، وذلك رغم أن القماش المصبوغ ما زال يلقى رواجا في السوق المالية.

وتشير العاملات إلى أنّ قطعة القماش المصبوغة الواحدة تباع، في السوق العالمية، بسعر يتراوح ما بين 6 آلاف إلى 6 آلاف و500 فرنك أفريقي (ما بين 12 إلى 13 دولار). وهو سعر مرشّح للمزيد من الارتفاع نظرا لتضاؤل حجم الإنتاج بسبب ضعف عائداته الماليّة على النساء العاملات في المصابغ.

تدهور وضعيّات المصابغ التقليديّة في باماكو وغيرها من مدن مالي وسائر الدول الأفريقية، ستكون له لا محالة تداعيات مؤسفة، حسب ما يراه خبراء القطاع، فالاضمحلال سيكون مآل الألوان الزاهية البرّاقة للملابس الأفريقيّة، وستحلّ محلّها ألوان الأقمشة الصناعيّة الباهتة القادمة في أغلبها من الصين.

وعلاوة على النقص المسجّل على مستوى المداخيل، تشكو عاملات مركز الصباغة من “مشاكل نقص الماء والكهرباء، وهو ما يجعل من غير المتاح العمل ليلا”. وقد دفعهن هذا الوضع المتردّي إلى إطلاق دعوة إلى السلطات المالية لتحسين ظروف العمل.

ورغم العراقيل التي يواجهنها، فإنّ هذا الحشد النسائي، المتضائل تدريجيا، اختار مواصلة العمل بكدّ وبشكل يومي تحت أشعّة الشمس الحارقة لصبغ قماش يلقى رواجا كبيرا في منطقة غرب أفريقيا بشكل عام.

بعض العاملات قلن إنّ ألوان الصباغة تختلف من الأزرق إلى الأحمر، ومن البنفسجي إلى الأخضر، فكل شيء مباح هنا لإضفاء حياة على القماش الأبيض الذي تستعمله فئة واسعة من السكان لتفصيل بدلات بهية يرتدونها خلال حفلات التعميد والأعراس، والتي تعدّ فرصة مثالية للماليين من نساء وأطفال وشباب، أغنياء وفقراء، يتصالحون خلالها مع “هويّتهم الوطنية”.

مصابغ تعمل بلا كهرباء وبنقص فادح في الماء

وفي هذا الصدد، ذكرت وثيقة لمنظمة الأمم المتحدة، موضوعها صناعة الصباغة في مالي على لسان هانا لارسون، الخبيرة في صباغة النسيج، أن جملة المشاكل التي يعاني منها المركز عائدة في جزء كبير منها إلى غياب الهيكلة في قطاع البازان، ذلك أنّ هذا القطاع لا يزال خارج الدورة الرسمية للاقتصاد، وهو ما حرم الصابغات من الاستفادة من الدعم الحكومي، رغم نداءات الاستغاثة التي يطلقنها.

وتؤكد الوثيقة ذاتها على أنّ نجاح هؤلاء النسوة يعتمد في الغالب على القروض المتناهية الصغر، التي يحصلن عليها من المنظمات غير الحكومية على غرار “فريدوم فروم هانغر” ومقرّها الولايات المتحدة الأميركية والتي أطلقت عام 1989 برنامج “الادخار من أجل التغيير في مالي”، مقدمة بذلك الدعم لنحو 350 ألف امرأة مالية بتمويلات يقدر حجمها بـ7.5 مليون دولار.

ويقول كريستوفر دونفورد، المكلف بالبحوث بمنظمة فريدوم فروم هانغر، “إن عددا كبيرا من النساء العاملات في صناعة البازان استفدن من هذا البرنامج الذي يوفر قروضا وخدمات ادخار في المتناول، مع شروط سداد مرنة”، حسب ما جاء في الوثيقة الأممية، لكنّ من يشاهد أحوال هذه المصابغ وظروف العمل البائسة فيها، يكتشف على الفور مدى ضعف هذه الاستفادة، ويستشعر أنّ هذه الصناعة التقليدية تتّجه تدريجيا نحو الزوال، لتترك المجال واسعا أمام تدفّق الأقمشة الصناعيّة ذات الألوان الباهتة القادمة من المصانع الصينيّة، ولتؤذن بالمصير الرمادي لألوان باماكو الطبيعيّة الزاهية.

20