باماكو تمحو أحزانها على إيقاع مهرجان "الدوغون"

الموسيقى والرقص يطردان شبح الحزن والخوف، هذا ما عاشته العاصمة مالي في احتفالات الدورة الأولى من مهرجان “الدوغون”، والدوغون شعب فضل العيش خارج مناخات الحضارة الإنسانية، عبر رفض مواكبة أنساقها وتحولاتها الحضارية.
الأربعاء 2016/02/03
قبيلة تصنع الفرجة

باماكو – "تعالوا اكتشفوا ثقافة الدوغون"، تحت هذا الشعار، انتظم مؤخرا مهرجان "الدوغون” في دورته الأولى في باماكو عاصمة مالي، وهو يمثل تظاهرة ثقافية ترمي إلى إحياء تقاليد شعب "الدوغون"، القبائل التي ظلت، على مرّ العصور، محافظة على خصوصيتها، ضمن مبادرة استطاعت أن تمسح اللوعة التي خلّفها هجوم باماكو، في نوفمبر الماضي.

لوحات راقصة نبضت على إيقاعها باماكو ضمن فعاليات هذا المهرجان، والتي احتضنها ميدان "الخمسينية" على ضفاف نهر النيجر بالمدينة، ولاقت استحسانا كبيرا من طرف متابعيها، لما تنضح به العروض من خصوصية تعكس تقاليد شعب لا يزال حتى اليوم متشبّثا بالعيش خارج الأطر الحداثية والحضارية التي يمرّ بها العالم، بحسب مختصّين.

فـ"بلاد” الدوغون في مالي تغطّي صخور "باندياغارا" جنوب غربي البلاد، وتعدّ نحو 700 ألف ساكن، بحسب القائمين على المهرجان، معظمهم يعملون في الزراعة والحدادة، غير أنّ شهرة هذه القبائل تتأتّى بالخصوص من ولعها بضروب التنجيم والمنحوتات.

ومن طرائف قبائل الدوغون، أن لها عيدا تحتفل به مرّة في كل ستين عاما، وهذا العيد يدعى "سيجي" ويرمز إلى الموت الإنساني والتجدد والانبعاث والتحول، حيث يشمل الشباب والعجائز كإعلان عن تغيير في صلب الأجيال، من خلاله تجدد القوانين وأنظمة المجتمع وعاداته وتقاليده، عبر حلقات من النقاش الواسعة.

أما فعاليات الفرجة لهذا العيد، فتبدأ من وضع مجموعة من الشبان في مغارة كي يتلقوا ألغاز المعرفة وأسرار المجتمعات الإنسانية وقصة خلق العالم، بعدها يتمّ التحضير لقناع كبير يعرض في ساحة القرية، ثم تبدأ المظاهر الاحتفالية عبر شرب الخمر والغناء والرقص والأكل. وفي نهاية الاحتفال، يحمل القناع إلى المغارة ليلا كي يوضع هناك، كرمز لقصة الموت والحياة.

ومن بعض عاداتها الطريفة أن أطفالها يولدون عادة خارج القرى التي يعيشون فيها، إذ لا يحق للمرأة أن تضع مولودها إلا في بيت أبيها، حيث تخرج بعد لحظة الولادة لتعلن عن جنس المولود، فإذا كان ذكرا حملت بيديها سهما، أمّا إذا كان أنثى فتحمل سكينا.

وهذا المولود، عادة ما يحمل ثلاثة أسماء، الأوّل تطلقه عليه عائلة أبيه، والثاني تطلقه عائلة أمه، أما الثالث فيطلقه عليه كاهن القرية ويبقى سرّيا.

أقنعة الدوغون تخفي أسرار ا عجيبة

ثقافة ثرية وفريدة من نوعها، استطاعت من خلال هذا المهرجان أن تستقطب عددا كبيرا من المتابعين، ممّن تملّكهم فضول اكتشاف الجوانب المختلفة لشعب تحيط به أساطير عديدة تتأرجح بين الحقيقة والخيال، فكان أن تدفّقوا من مختلف أنحاء البلاد وحتى من خارجها، لمشاهدة عروض الرقص والموسيقى، وتذوّق مختلف الأطعمة الخاصة بهذه الثقافة.

وعلاوة على ذلك، انتظم عرض للأزياء، إضافة إلى لوحات راقصة استخدمت خلالها الأقنعة، ضمن مشاهد رائقة أثارت الكثير من الحماس، ومنحت الأجواء الكثير من الدفء والهدوء اللذين فقدتهما المدينة منذ الهجوم الإرهابي الذي استهدف أحد أكبر فنادقها.

وفي ذات الصدد، انتظم معرض للمنتجات اليدوية للدوغون على هامش فعاليات هذا المهرجان، والذي يعتبر تفعيلا لمبادرة "رابطة مالي لحماية ثقافة الدوغون والنهوض بها"، ومناسبة، كرّمت من خلالها، ثقافات أخرى قريبة من الدوغون، مثل "الماندينغا" و"الفولاني" و"سونغاي" و"بوزو"، بحسب منظّمي المهرجان.

وبما أنّ شعب الدوغون يشتهر أيضا بأقنعته اللافتة، والتي تشكّل إحدى خصوصياته، فقد تخلّل حفل افتتاح المهرجان، عرض لأشهر الأقنعة المعروفة لدى هذه القبائل.

غاريبو دونون، ناشط مالي ينحدر من شعب الدوغون في مجال الثقافة، ويقيم بفرنسا، قال على هامش المهرجان، إنّ "الموسيقى والرقص وحتى الملابس، تعتبر لدينا من التعبيرات الدالة على الفرح والعاطفة والحزن، كما أنها تقدّم إيحاءات ومعلومات هامة خلال الأحداث البارزة في حياة الناس مثل حفلات الزواج أو مراسم الدفن وغيرها".

الدورة الأولى من هذه التظاهرة الثقافية اعتبرها مراقبون فرصة لرسم البهجة من جديد في شوارع باماكو، ولاقت إقبالا جماهيريا واسعا، واستحسانا من لدن معظم متابعيها لـ"التعبئة الاستثنائية التي تجاوزت جميع التوقّعات بالنسبة إلى دورة أولى لهذه التظاهرة الثقافية"، بحسب غاريبو.

وفي شهادات متفرّقة، أعرب عدد من روّاد المهرجان عن أملهم في أن يتحوّل هذا الحدث إلى موعد سنوي قارّ، يمسح الغبار عن تقاليد شعب الدوغون، ويمنح المدينة حلّة جديدة مغايرة لتلك التي غلّفتها منذ الهجوم الإرهابي الذي أودى، قبل أكثر من شهرين، بحياة العشرات من الأشخاص.

20