بانتا والإحداثيات

حتى الصربي بانتا بتروفيتش، رجل الكهف الشهير، خرج من كهفه ليتلقى اللقاح المضاد لكورونا وينصح الناس به؛ أي أنه وهو في كهفه تمرّ به الإحداثيات طولاً وعرضاً وتؤثر فيه.
الجمعة 2021/09/17
الإحداثيات تكشف كل شيء

العمل في اللحظة مهمة ليست يسيرة، وقد يبدو التصدي لها تحديًا شيقًا في بداياته، إلا أنه بعد وقت يصبح نوعًا من المكابدة والحفر ليس مطلوبًا من الإنسان الطبيعي، وإلا بات هوسًا وانفصالًا عن السياق. فالإنسان قرين مولع بابتكاره الأعظم منذ رأى أسلافه النور على هذه الأرض أول مرة، الزمن.

وقد تمرّ علينا ونحن نقرأ ونعمل عشرات الآلاف من الأفكار حول الإحداثيات التي يختارها الإنسان لنفسه في الحياة، أغلب الناس لا يكترثون بها، بل تحملهم أقدارهم وتهوي بهم كيفما اتفق، ومن لا يعجبه ذلك سيكون مصيره الشقاء من أجل نحت صورته على جبال التاريخ حتى وإن كان مجرد أب لطفلة ستكبر وتتعلم في ظروف صعبة، أو مزارعا ينتظر نمو نخلة سنين طويلة حتى تطرح طلعها الأول.

ولأن العالم بعد انتشار الفكر الحربي في الوقائع والأخبار والسينما وحتى ألعاب الكومبيوتر بات مثقفًا في شؤون المعارك، فإن فهمه للإحداثيات أخذ يتحول مع الوقت إلى إحداثيات ميدانية، وكأنه يضبط سمت مدفع، كما علمونا في خدمة العلم، وأجمل ما سمعته عن ذلك هو اختراع عسكري كان قد صمّمه أهل درعا التي ما زالت تعاني من حصار وتضييق ومفاوضات وأنابيب غاز وجيوبولتيكا، وكأننا نتحدث عن قطعة من شاطئ النورماندي في الحرب العالمية الثانية، لا عن سهل ذهبي بسيط أهله كرامٌ طيبو القلوب. المهم أن هؤلاء كانوا قد اخترعوا مدفعًا من طراز خاص يطلق قذيفة ذات سمت وإحداثيات غير مسبوقة في التاريخ أسموها “مطرح ما تقع، تقع” وتعني بالفصحى “أينما وقعت فلتقع”، وهذا يعني أن المدفع سوف يطلقها والباقي على الله، ولا يعرف أحدٌ أين ستصيب ومن ستصيب ومتى، وهكذا.

إنها الإحداثيات من جديد. وقد قرأت قبل أيام خبرًا عن شاب من الجنسيات الآسيوية يعيش في البلاد العربية، ومن شدة خبثه فإنه يبيع المخدرات للشباب عبر تقنيات الإحداثيات التي يسهلها “مسنجر فيسبوك”. ولم يكن من السهل على النيابة كشفه لولا أنها اهتدت إلى حيلته التي تستند إلى الإحداثيات الرقمية تلك.

أخطر ما في الإحداثيات أنها تكشف كل شيء، مهما كان النظام المستخدم فيها، ولا مجال للتملّص مما بات يُعرف اليوم بـ”التموضع” حتى باتت القاعدة “أنا موجود إذًا أنا متموضع”. هذا سرّ العالم الجديد،عالم المعرفة الذي لم تعد مقبولة فيه أي ذريعة للتخفي. فحتى الصربي بانتا بتروفيتش، رجل الكهف الشهير، خرج من كهفه ليتلقى اللقاح المضاد لكورونا وينصح الناس به؛ أي أنه وهو في كهفه تمرّ به الإحداثيات طولاً وعرضاً وتؤثر فيه.

24