بانتظار العقاد

الجمعة 2016/01/29

إن غياب النقد الأدبي الجاد الذي يقف بالمرصاد ضد الرداءة قد أصبح ظاهرة سائدة ودائمة في حياتنا الثقافية ولم يسلم من بؤسها أيّ مبدع في مجالات الأجناس الأدبية كلها. ففي تقديري إن الكاتب الزميل حسين صالح قد لخصها بذكاء في مقالته المنشورة يوم الثلاثاء الماضي في هذه الصفحة بالذات عندما قال “ليس هناك شاعر نتداول اسمه وننظر إليه بشغف ونتلقف ديوانه وننتظره. ليس لأننا محرمون من ظهور شاعر مبدع ولكن لأننا كلنا مبدعون، أو هكذا نظن. المواهب الخلاقة موجودة في كل العصور لكنها تتطلب جمهورا محايدا يسعد بأن يتلقى. تتطلب جمهورا يسعد بأن يصمت ويكتفي بأن يستمع ويطرب”.

إن الغريب في الأمر هو أنه ليس الجمهور هو من يزاحم فقط بادعاء قرض الشعر بل إن ما يسمى بالنقاد عندنا هم أيضا سادة هذه اللعبة إذ نجدهم يدّعون أنهم هم أيضا شعراء، وروائيون، وكتاب مسرح وقصة قصيرة، ولا ينبغي أن يزايد أحد عليهم في ذلك. إن ظاهرة فيروس انعدام حيادية الجمهور التي يلاحظها الزميل حسين تنتشر على جميع الأصعدة ومنها الصعيد السياسي.

منذ عدة أشهر جمعني لقاء برئيس بلدية صغيرة في قرية ريفية، وأخبرني أنه قد أعدّ ملفا جامعا مانعا للترشح لمنصب رئيس الجمهورية الجزائـرية علمـا أن هـذا الرجل لـم يتمكـن حتى مـن حـلّ مشكلـة النفـايـات في البلـدية البـائسة التي يديـرها.

إن هـذا الرجـل ليـس وحده في الميدان إذ يعتقد كل مواطن عندنا أنه مشروع رئيس دولة، أو رئيس وزراء على الأقل، ولهذا السبب نجد في الجزائر، مثلا، أكثر من ستين حزبا، أما قائمـة الأحـزاب التي تطلـب التـرخيص لهـا فطـولـها يقـاس بالكيلومتـرات.

ففي أيامنا هذه لا يخجل أيّ كان من كتابة اسمه في الفيسبوك، ويضيف إليه بالحروف الغليظة لقب الشاعر القدير، أو الروائي النابغة، أو المسرحي الملحمي. وأكثر من ذلك فإنه يتكرر دائما أن تقابل هذا الشخص أو ذاك ولا يقدم لك نفسه كمواطن، بل كشاعر ولا تملك إلا أن تقول له “أهلا وسهلا يا جاري العزيز”.

مرة علَق الشاعر السوري الراحل سليمان العيسى على ظاهرة تضخم حجم أعداد الشعراء في بلداننا بقوله “تصلنا صورهم ولا يصلنا شعرهم”، أما في زماننا هذا فتصلنا ألقابهم فقط. إن هذا يحدث جرّاء غياب السلطة النقدية التي يفترض أنها الضمير الثقافي في حياتنا. في الزمان الذهبي كان ميلاد الشاعر الحقيقي في أيّ بلد من بلداننا عيدا ثقافيا يزهو به الجميع، ولكن في ذلك الزمان الجميل كان لدينا أمثال عباس محمود العقاد الذي كان يأمر بوضع الشعر الرديء في “ملف النثر للاختصاص”.

كاتب من الجزائر

15