بانجا الثرية في الكاميرون تنعم بشقاء أهلها

السبت 2015/04/25
بانجا الثرية لم تستفد من عائدات صادرتها إلى دول العالم

بانجا (الكاميرون)- "نجومبي بانجا" بلدة استثنائيّة بكل المقاييس في الكاميرون، ذلك أنّها المنطقة الوحيدة في البلاد التي فازت بمؤشّر الجودة العالمي في إنتاج نوعيّة لا تُضاهى قيمته من الفلفل العضوي، نظرا للخصوبة العالية لتربتها.. تتميّز بانجا، الواقعة في الساحل الكاميروني، بكثير من المنتجات والركائز التي يُفترض أن تصنع ربيعا دائما لأهاليها، غير أنّهم في شقاء الفقر غارقون.

يطلق السكان المحليون على قريتهم اسم “سلّة الكاميرون”، نظرا إلى ما تزخر به من خيرات تنتجها أرضهم الخصبة وسواعدهم المفتولة، من فلفل بلغت شهرته أصداء بعيدة في العالم، وأشجار موز كثيفة مثقلة بثمر يتهافت عليه السماسرة لترويجه في مختلف الربوع.

وتتميّز بلدة نجومبي-بانجا أيضا بوجود العديد من شركات الصناعات الزراعية الناشطة في مجالات الفلاحة المختلفة، فالمنطقة تزخر كذلك بإنتاج المطاط والزهور والأناناس والمياه المعدنية، ممّا يجعل بانجا مركزا زراعيّا استراتيجيا في الكاميرون.

وحسب تأكيدات المنتجين المحلّيين ببلدة بانجا الساحلية، فإنّ الكاميرون يصدّر سنويا نحو 300 ألف طنّ من الموز، بما صعد بهذا المنتوج إلى المرتبة الثالثة ضمن صادرات البلاد على المستوى الكمّي، فضلا عن تفوّقها التّام في إنتاج فلفل بانجا الشهير بمذاقه الخاص، وتصديره إلى أنحاء مختلفة من العالم.

ورغم هذا الثراء الذي تنعم به المنطقة، بفعل تدفّق المنتجات الزراعية لبلدة نجومبي-بانجا نحو الأسواق الأجنبية، فإنّ البؤس والخصاصة يخيّمان عليها، معمارا وبنية تحتية وبشرا.

13 دولارا السعر الأدنى لكغ واحد من فلفل بانجا، في حين يتقاضى العامل 3 دولارات راتبا أسبوعيا

منطقة غنية بخيراتها ومنتجاتها وأرضها، لكنّها بائسة بما تلقاه من تهميش لبنيانها وسكانها، هذا هو حال بانجا التي لا تزال تنتظر توظيف شيء من الإيرادات المالية الكبرى لصادراتها الكبرى من دون جدوى.

ولمعاينة الجحود والحرمان والتهميش الذي تقابل به بانجا تكفي زيارة قصيرة لشوارعها، حيث تغيب كلّ المستلزمات الضرورية للحياة الكريمة، رغم سخاء الطبيعة وجهد أبنائها الذين جبّلوا على المعاناة والحرمان في كلّ تفاصيل حياتهم.

مبان وبيوت منهوكة، وقابلة للسقوط والانهيار على ساكنيها في أيّ لحظة، سقوف معظمها صنعت من قشّ، لا يقي حرارة الشمس ولا برد الشتاء.. ومن النادر أن يكون أحد المنازل مجهّزا بالتيار الكهربائي أو موصولا بالمياه الصالحة للشراب.

الطرقات في نجومبي-بانجا مدّدت بغير انتظام، فلا يعرف الإسفلت ساحتها، والحفر والمطبّات مشهد مألوف بين ثناياها، أمّا وسائل النقل فهي الغائب البارز في المنطقة.

يقول سكّان البلدة إنّه لا توجد سيارات أجرة في نجومبي-بانجا، ووسائل النقل المشتركة الوحيدة المتوفّرة هي الدراجات النارية التي تعرقل سيرها الحفر الكثيرة المنتشرة على طول الطرق المؤدية إليها، فتعجز عن الوصول إلى الكثير من أحياء البلدة، وخصوصا في موسم الأمطار.

يعتقد بعض السكّان أنّ البلدة أصيبت، كما أهلها، بلعنة ما تنتجه من فلفل مميّز ممّا يصدّر إلى أصقاع الدنيا، إذ لم يجلب لهم رغم غلاء أسعاره سوى الشقاء والخصاصة.

في مثل هذا الزمان من كلّ عام، يحين موعد جمع المحصول السنوي من الفلفل، وفي أنحاء مختلفة من نجومبي-بانجا يتكرّر سيناريو الشقاء بانتظام منذ استقلال البلاد عن فرنسا في 1960.. هنا في هذه الحقول، تتناثر الأجساد القاتمة النحيلة لجموع من النساء والرجال، لا تخامرهم سوى الرغبة في قطف ما أمكنهم من حبّات الفلفل الصغيرة ذات اللونين الأخضر والأحمر، علّهم يفوزون بما يسدّ رمقهم في ليالي العوز والشقاء الكثيرة.

نجومبي-بانجا غنية بما تزخر به من خيرات وشديدة الفقر بما تناله من إيثار وحق مستلب

يقول إيستر مبانغ، العامل في محلّ للفلفل، “أعمل لمدة 8 ساعات في اليوم، وينبغي تجميع عدد محدّد من الكيلوغرامات خلال تلك الساعات. ويتعيّن عليّ جمع 30 كغ، بينما لا يتجاوز راتبي الأسبوعي ألف و500 فرنك أفريقي (3 دولارات)، وحين لا أتمكّن من الوصول إلى السقف المطلوب، فإنّني أحصل على أقلّ من هذا المبلغ”، مشيرا إلى أنّ الرواتب التي تمنحها الشركات ترتبط، في كلّ مكان تقريبا، بقوّة العمل.

يذكر أنّ الكيلوغرام الواحد من الفلفل يعرض، بعد معالجته وتعبئته، للبيع بسعر يتراوح بين 7 آلاف و9 آلاف فرنك أفريقي (من 13 إلى 17 دولارا)، وهو ما يعكس هامش الربح المرتفع للغاية الذي يجنيه المنتجون، بما أنّ عائدات 30 كغ تقدّر بـ390 دولارا، حسب العديد من الشهادات.

تلك هي مفارقة نجومبي-بانجا غنية بما تزخر به من خيرات وشديدة الفقر بما تناله من إيثار وحق مستلب، أمّا سلطات البلاد فلا دأب لها غير التسويف والمماطلة، بالترويج دائما لكون هذه الحال “مؤقتة” وأنّ السكان سيجنون ثمار ثراء منطقتهم في المستقبل القريب، دون الإقدام على اتخاذ أيّ إجراءات للحدّ من جشع الشركات والسماسرة.

هذا ما ذهب إليه ممثل وزارة الزراعة الكاميرونية في المنطقة، غاسبار إيتونغي، قائلا إنّ “عائدات الثروات الطبيعية ستتجلّى خلال بعض الوقت، والدليل على ذلك، أنّ بعض الفيلات بدأت بالظهور في أحياء القرية.. وفي غضون 3 إلى 4 أعوام، أنا على يقين أنّ الأشياء ستتغيّر نحو الأفضل”.

20