بانوراما الغد الأجمل

الثلاثاء 2015/08/11

خمس سنوات مجحفة شوهت وجودا بأكمله، تغير كل شيء وما عاد يشبه صورته، الأشخاص يتناوبون بين الحزن والأسى، وسوريا ما عادت تشبه صورتها، اختفت مسحة السلام التي تعانق الوجوه في طرقاتها، كأنها تخفي سرا أو مأساة.

لأننا أبناؤها نعرف مصائبها ومواجعها، ونعرف أننا سقطنا في المعادلة الصعبة للانتظار، منا من يعد السنين ولن يعرف أين ينتهي العد، ومنا من يعد رصيده المالي الذي يسمح له بالهجرة، ومنا من يعد الطلقات الجاهزة للانقضاض على الآخر، ولكل انتظاره المر في بانوراما الغد الأجمل.

من حقنا التشاؤم فكل شيء يبدو مثخنا بالجراح، كم نتمنى أحيانا لو كنا نعيش كابوسا يمكننا الاستيقاظ منه، لكننا نعيش الحقائق كالمذهولين. ما عدنا نعرف إن كنا استيقظنا بالصدفة خارج صندوق الوهم الذي حفظه التاريخ والجغرافيا وأسماه “وطن”، أم أننا دخلنا بالصدفة صندوق الموت الأسود، وانتقلنا من المدينة بتنوعها إلى القبيلة بأحادية الفكر والرأي، مشينا من القانون إلى العرف، لتحكم المناطق نفسها وفق الأعراف السائدة وكل يفرض شريعته. زحفنا من الحداثة إلى السلفية، وصار العصر الذهبي هو الماضي المفقود، ويفر الحلم بالغد الأجمل.

يقود الأسى أفكاره الجحيمية، العالم “غابة صغيرة”. منذ أن طرد الله عباده أمرهم أن “اهبطوا بعضكم لبعض عدو” ثم بعث إليهم برسل ونبيين ليصلحوهم وما انصلحوا. فالمعضلة تكمن في الناس، وهذه الاستباحة المتوالية لحياة الناس ولحرية الناس ولكرامة الناس، إنما تأتي من حقيقة الناس وليست فرضاً عليهم. الذرية الساقطة من الجنة تشحذ سكاكينها فالمقتلة مستمرة والعالم والمنظمات الدولية وغيرها تستمر في “إدارة الأزمة” لتحولنا إلى حُطام بشري، ومثال بليغ يوضّح لسكان الإقليم والعالم مخاطر “الثورات والتمرّد” على الحكام ليستطيعوا العيش في غد ما.

إنها كارثة حروب لا تملك أهدافاً لا مباشرة ولا غير مباشرة اجتاحت وجودنا وكرّست ما كان من سلبيات، وأنتجت سلبيات من نوع جديد، ليحاصر الواقع بشظايا الماضي الجميل وتنقسم الصور بين “الدكتاتورية أم الإرهاب” لبعض من تنسيهم الأزمة أن الإرهاب الذي تلبسنا من كل الجهات ليس دولة، وبين”الإيمان أو التكفير” الذي تسيّره كوميديا سوداء لها حصتها في قيادة الواقع، وتزداد سخريتها حين تمارس داخل البيت الواحد فتعلن “داعش” أن “أمراء الجبهة الإسلامية مرتدّون عن الإسلام” وتكفرهم بتهمة “الردة والخيانة” بسبب تحالفهم مع “الجيش الحر”، وتسارع “النصرة” إلى نشر كتاب “العلامات الفارقة في كشف دين المارقة” مخصص لتكفير “داعش”، وما تبقى من الشعب يلملم الشظايا وينتظر انتهاء المهزلة ليصل إلى يوم آخر.

يشتعل الغضب الكامن لأوهى الأسباب، يتسربل بالقنوط الشعبي العام، يعيد تشكيل الحالة الإنسانية مدمراً في لحظات قليلة قشوراً أنيقة تعب أصحابها في تجميعها، ليخبئوا سرهم فتكون المحصلة ارتداداً إلى غريزة التوحش التي تنسج لحمة العنف المغرق في القدم الذي يخلع كل الآمال المختبئة في نفوس هذا الشعب ويسحقها، ويصير الغد عبثيا تلاحقه صور سريالية المصدر، فقد نستيقظ بلا ضمير لا تهزنا ضربات الصواريخ على جدراننا ولا ذبح طفل هنا وقتل رجل هناك، لا دمار بيت فوق ساكنيه، ولا ضياع الوطن بين هذه الغرائز الصاخبة من المعارك الجماعية والحفلات السياسية.

ربيع بلادنا لم يغير طبيعته. بقي فصلا قصيرا للزهر والحلم، استراحة بين الموت بردا والموت حرا، لكن الغد لابد أجمل، وسنجلس يوما على أطلال هذه الصور لنقول “سنين ومرت” وسيهتف من بقي “الله يا وطن”.

كاتبة ورسامة سورية

9