بان كي مون يخل بالحيادية بمساواته بين الرياض وطهران في إذكاء التوتر

المملكة العربية السعودية لا تمتلك الدوافع الاقتصادية ذاتها التي تدفع الغرب إلى “الهرولة” باتجاه إيران، وستظل محتفظة بشرط تغيير طهران لسياساتها تجاه المنطقة قبل أي حوار يفضي إلى مصالحة باتت أكثر من أي وقت مضى مطلبا للدول الكبرى الراغبة في الاستفادة من البلدين معا.
الثلاثاء 2016/02/02
هل يطلب من عمان التوسط في مصالحة غير عادلة

مسقط - دعا أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، الإثنين، كلا من السعودية وإيران إلى التصالح والمساعدة في إنهاء التوتر بالشرق الأوسط.

وشكّك مراقبون في إمكانية استجابة السعودية لمثل هذه الدعوة، كونها تقفز على حقيقة أنّ إيران هي المتسبّبة بسياساتها في رفع منسوب التوتر في المنطقة عبر تدخّلها في الشؤون الداخلية لجيرانها وإذكاء النعرات الطائفية بدعمها ميليشيات شيعية في العراق وسوريا واليمن.

وبدا طرح أمين عام الأمم المتحدة سطحيا فيما يتعلّق بالأزمة السورية حين ساوى بين السعودية وإيران في ما يتعلّق بتلك الأزمة، حيث ذكّر بأن الرياض تدعم المعارضة وتدعو إلى تنحي الرئيس السوري بشار الأسد، فيما إيران حليف لنظام دمشق.

وقال «آمل أن تبدي إيران والسعودية، رغم عدم الثقة والصعوبات التي تواجهانها، واقعية ومسؤولية وتسوية في علاقاتهما ومن أجل المنطقة».

ومن منظور أنّ إيران ساعية إلى مصالحات شكلية تعيد إدماجها في المجتمع الدولي دون أن تدخل تغييرات فعلية على سياساتها، تبدو دعوة بان كي مون مفتقرة إلى الحيادية ومكرّسة لإخراج منظمة الأمم المتحدة عن دورها ورسالتها في حفظ حقوق جميع البلدان الأعضاء فيها.

وبحسب مراقبين، فإنّ دعوة المسؤول الأممي تعكس مزاجا دوليا جديدا -غربيا بالأساس- بشأن التوتّر بين البلدين، وتوجّها أشمل نحو الحدّ منه مرتبطا بمصالح دول كبرى تريد الاستفادة من الطرفين اقتصاديا، وأيضا أمنيا عبر صرف جهودهما نحو المساعدة في التصدّي للظاهرة الإرهابية المتنامية بعد أن طالت تهديداتها دولا غربية بشكل مباشر. وترتبط معظم الدول الكبرى بعلاقات اقتصادية قوية مع المملكة العربية السعودية أكبر مصدّر للنفط في العالم، وبدأت الدول ذاتها تسرع الخطى لإبرام صفقات مع إيران التي رُفعت عنها العقوبات بموجب الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه حول برنامجها النووي.

وقام الرئيس الإيراني، الأسبوع الماضي، بزيارتين مهمّتين على صعيد تطبيع العلاقات مع الغرب إلى كلّ من إيطاليا وفرنسا، فيما يقوم وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير بزيارة إلى كل من طهران والرياض بدءا من الثلاثاء.

وقال بان كي مون في كلمة ألقاها بكلية الدفاع الوطني لسلطنة عمان، إنه يتمنى أن تتسم التعاملات بين السعودية وإيران، على الرغم من انعدام الثقة والخلافات، بالواقعية والمسؤولية والحلول الوسط، وهو ما سينعكس بشكل إيجابي على المنطقة.

فرانك فالتر شتاينماير: لأجل مصلحتنا الخاصة يتعين أن نبذل كل المحاولات للحد من التصعيد

وزار أمين عام الأمم المتحدة، الإثنين، العاصمة العمانية مسقط حيث أجرى محادثات مع وزير شؤون الدفاع العماني بدر بن سعود بن حارب البوسعيدي، لم يكشف عن موضوعها، حيث اكتفت وكالة الأنباء العمانية الرسمية بالقول إنّ المسؤوليْن “بحثا الأمور ذات الاهتمام المشترك”.

كما كان للمسؤول الأممي لقاء بوزير الخارجية العماني يوسف بن علوي أثنى خلاله على «جهود السلطنة في إحلال السلام والاستقرار في المنطقة وحل الأزمات القائمة فيها بالطرق السلمية»، بحسب الوكالة العمانية. وربطت مصادر سياسية بين زيارة بان كي مون لمسقط ودعوته إلى مصالحة سعودية إيرانية، غير مستبعدة أن يكون الهدف الرئيسي للزيارة طلب وساطة السلطنة بين البلدين اللذين ما تزال تحتفظ معهما بعلاقات قوية.

ولا تبتعد دعوة أمين عام الأمم المتحدة في مضمونها عما صرّح به وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير لصحيفة “فيلت أم زونتاج” الأسبوعية قبيل جولته الشرق أوسطية المرتقبة هذا الأسبوع، حيث قال “لأجل مصلحتنا الخاصة يتعين علينا أن نبذل كل المحاولات كي لا يزداد التصعيد بشدة وكي نستفيد من إمكاناتنا من أجل التوصل إلى قنوات حوار ومن أجل الإسهام في بناء الثقة”، معتبرا “أن كل تصعيد جديد بين طهران والرياض يسفر عن زيادة صعوبة البحث عن حلول”.

كما اعتبر شتاينماير أن الأزمات والنزاعات الدامية في كل مكان بمنطقة الشرق الأوسط والأدنى ترتبط ارتباطا وثيقا بالفجوة العميقة بين الشيعة والسنّة، موضّحا أن هذا التطور المدمّر كان ملموسا بصفة خاصة خلال مباحثات السلام السورية في جنيف “التي من شأنها أن تسفر في النهاية عن أمل في إنهاء إراقة الدماء والبدء في حل سياسي للأزمة”.

وبعد الهجمات والتفجيرات التي طالت العاصمة الفرنسية باريس منتصف شهر نوفمبر الماضي مخلّفة العشرات من القتلى والجرحى، وما سبق ذلك من تدفّق لموجات الهجرة الجماعية على أوروبا، ثبت لبلدان غربية أنّها ليست بمعزل عن الصراعات الدامية الدائرة في الشرق الأوسط.

وبدت البلدان ذاتها أكثر جدّية في محاربة الظاهرة الإرهابية في المنطقة العربية وجنوب المتوسّط. وعبّر أكثر من مسؤول أوروبي عن الحاجة الأكيدة إلى توحيد جهود كلّ من السعودية وإيران في الحدّ من التوتّرات والصراعات الدامية خصوصا في اليمن وسوريا والعراق، وما قد ينشأ على هامشها من أوضاع أمنية معقّدة وما تخلّفه من تأثيرات اقتصادية وإنسانية، فضلا عن تهديدها لوحدة مجتمعات تلك الدول نظرا لانزلاقها نحو الطائفية.

ولا تبدو جهود الغرب لمصالحة الرياض وطهران في طريق ممهدة، إلاّ إذا استطاعت دوله أن تقنع القيادة الإيرانية بإحداث تغييرات جذرية في سياساتها تجاه المنطقة العربية، والحدّ من التدخّل في شؤونها، وهو الشرط السعودي المعلن قبل أي حوار، حيث لا تبدو المملكة معنية بمنح “جارتها اللدود” صكّا على بياض، ولا توجد لديها ذات الدوافع الاقتصادية التي تجعل الغرب يهرول باتجاه طهران.

3