"باولا" قصص أردنية عن نساء رافقتهن التعاسة إلى النهاية

يفرض الواقع مجموعة من الضوابط على النساء في المجتمعات الشرقية، حيث تتقلص مساحة التحرك حتى تصير أشبه بزنزانة مقيدة لحريتهن، ولا تبدو القضبان واضحة فيها، فتصبح الحياة اليومية نسقا اعتياديا ليست فيه انتظارات لما سيأتي بعد، في المقابل تشهد التجارب النسائية في المجتمعات الغربية تنوعا واختلافا، حيث يجوز للمرأة حق الرفض والقبول والتصرف والاختيار، وما بين الشرق والغرب تختلف النهايات التي قد تصبح أقل رحمة وحدّة في المعاناة والوجع، إلا أن هناك البعض من النسوة رافقهن الحزن والتعاسة إلى النهاية.
الاثنين 2016/10/24
نهايات قد تصبح أقل رحمة وحدة في المعاناة والوجع (لوحة للفنانة نجلاء الفيتوري)

بيروت - “باولا” هي مجموعة قصصية كتبها الكاتب والقاص الأردني عبدالله الزيود باللغة العربية لغير الناطقين بها، واختار أن يسمي كل الحكاية باسم صاحبها أو صاحبتها، وهو ما برره الكاتب بأنه خلق هذه الشخوص وعمل على خلق عالمها الموازي لعالمنا حتى صارت مشابهة للحقيقة فحزن لحزنها وفرح لفرحها، ورأى أن من حق هذه الشخصيات أن تسمي حكاياها باسمها، فالأسماء رمز لبلد الشخصية والتجريد أجمل عندما لا تعرف موطن بطل الحكاية.

ويقول المؤلف عن عمله الجديد “مجموعتي تتحدث عن الإنسان، الإنسان فقط بعيدا عن أي اعتبارات من شأنها التفريق بين الناس على اختلاف ثقافاتهم”.

وتبدو المجموعة للوهلة الأولى واقعية جدا لدرجة أنك قد تشعر أن الكاتب قد التقى بهذه الشخصيات بالفعل، وأنها تعيش معنا على ذات الكوكب من خلال صدق المشاعر، ودقة الأسلوب والوصف اللذين كانا عاملين مهمين لكي تمس هذه القصص القلوب.

وتبدو المجموعة القصصية مختلفة، فالشخصيات مرسومة بعناية إضافة إلى أنها من مختلف البلدان مثل الأرجنتين، الهند، جنوب أفريقيا، وكندا، إضافة إلى توفر البعض من المعلومات التي تكمل الصورة كنقاط مرجعية بسيطة مع عدم الإكثار فيها. فقد يقع البعض من الكتَّاب في هذه النقطة دون أن يشعروا، حيث تستلزم البعض من الحكايات معلومات ما، فنجد أنهم توسعوا تماما لدرجة أنك تشعر أنه نوع من الاستعراض لكن عبدالله لم يقع في هذا الفخ بجدارة.

يقول المؤلف “أكتب للناس الذين يقرأون لغتي عن أناس آخرين، فالشخص ابن بيئته، وأنا بحكم إقامتي في الإمارات العربية المتحدة، محاط بالكثير من الأجانب أحدثهم بلغتهم، وأكتب عنهم بلغتي”، فالغريب بمثابة البئر كما يراه الزيود، فالعربي أو الأجنبي كلاهما يخشى من البوح لمن يعرفه، ويؤثر استئمان الغريب على سره.

مجموعة قصصية تتحدث فقط عن الإنسان بعيدا عن أي اعتبارات من شأنها التفريق بين الناس على اختلاف ثقافاتهم

الكتابة للضعفاء

يحوي الكتاب، الصادر عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” 19 شخصية، لكل منها حكايتها، وقد تنوعت الحكايات عن الأشخاص ذوي الإعاقة والفقراء والحالمين الذين لم يدركوا أحلامهم، فكل شخصيات الزيود في مجموعته كانت من الضعفاء، “نتعاطف مع الضعيف أما القوي فنراه سعيدا أو هكذا يبدو، فالكل ضعيف أمام الحزن”..

ويكتب عبدالله الزيود، الذي يعمل في مجال علاج الأشخاص ذوي الإعاقة، ليكون عمله مفتاحا يدخل به عوالم هؤلاء، ليفتحها أمامنا، حيث يقول “التعامل مع هذه الشخصيات وأسرها يفتح أمامك عوالم جديدة، فالعمل معهم يقوم على تعديل سلوكهم، في ذات الوقت الذي ترى الأهل أمامك يمرون في مراحل الدفاع كلها، فيغضبون، ويصرخون، ويبكون، مما يجبرك على التعامل مع هامش حياتهم وكافة تفاصيلها”.

و”باولا” كلمة من أصل لاتيني تعني باللغة ذاتها “متواضعة وصغيرة”، وهذا إقرار من المؤلف بأن حجم مجموعته صغير وربما متواضع، حتى كأنها تنتمي إلى روايات الجيب. البعض من النصوص يكون لها وقع موسيقي خاص، ساحر أحيانا، فتجذبك منذ اللحظة الأولى، من أول الغلاف المثير للدهشة إلى الورقة البيضاء الأخيرة، إلى الإهداء “إلى الله”، وهذه سابقة في الروايات العربية بل وربما العالمية، لأن الإهداء يكون إلى شخص أو ربما إلى المؤلف ذاته، أما أن يكون إلى الله، فهذا يخالف قول ليو بوسكاليا “الموهبة الخاصة بك هي الهدية التي قدمها الله لك، ما تفعله بها هي الهدية التي تقدمها بالمقابل إلى خالقك”.

19 شخصية أنثوية تحكي معاناتها في واقع أشبه بزنزانة

أبعاد فلسفية فكرية

تميزت المجموعة بتناولها لأبعاد فلسفية وفكرية وتأملات ذاتية مأخوذة بمصطلحات تفيض من الداخل بالحكمة والظن والروح والفراغ والنوايا والظلال والخيال والحلم والصدى. وقد أوضحتها الشخصيات التي تم انتقاؤها بحرفية عالية (مهندسة كمبيوتر، عاملة نظافة، ممرضة، عاهرة، موظفة موارد بشرية)، فالكاتب يُظهر تفاوت وعيهنّ ومداركهنّ الخاصة، ويعتبرهنّ جسرا طويلا يمرر من خلاله أفكارا ورؤية يمكن أن تكون شخصية لقضايا ليست عربية خالصة في المقام الأول، مما يمنح الكاتب هنا صفة البحث عن البيئات الأخرى المغايرة لما هو قائم ومعروف هنا، والخوض في دهاليز عادات وتقاليد شائكة كالهندية والأفريقية، وهذا يعتبر انفلاتا من الموضوعات التقليدية في إطارها الواحد، لما هو أعمق وأشمل وأكثر دقة.

ومن جهة أخرى تحفل المجموعة برسومات يدوية لوجوه النساء اللواتي تحمل القصص أسماءهن، مع إبراز لبعض الملامح التقريبية، فيخيّل للقارئ أن الحدث يرافقه تصوير مشهد درامي بالأبيض والأسود، فتكتمل لديه القصة كاملة.

كما خلق الكاتب عوالمَ بشخصياتها، مارس دور الإله في تكوينها، فأحياها وأماتها وسوّاها، فهو كاتبها. كما تنوّعت القصص في أماكنها، وحيواتها، وجنسياتها، واشتركت في شيء واحد، الوجع. وعندما تقرأ ستشعر أن إبرا تخزّك، أو خنجرا يطعنك. فتتالي القصص لا يعني أن الوجع الأول سيغطي على الجديدِ، بحيث لا تشعر بألم آخر، كأنه يضربك مرة، ثم يتركك لتلتقط أنفاسك ويضربك مرة أخرى. وبعد فراغك من القراءة، لن تكون أنت كما كنت.

في قصة “سهاد” نرى عبدالله الزيود واضحا ومباشرا في تناول تفاصيل الجسد الأنثوي، والذي يعامل باحتقار ودونية وشهوانية، وهنا نراه يلمّح لقضية المتاجرة بالأجساد، وهي قضية محورية يحاول الكاتب الكشف عنها بطرق مختلفة “كلهم يذهبون بجسدي ثم يذهبون بي ولا يعودون”. ويوضح الكاتب أن جسد البطلة هو الطريق المؤدي إلى العلاقات مع الرجال من فرط سحر جمالها وغوايتها، فهم يتمتعون به بحسب احتياجهم وما يكفيهم لتحقيق ملذاتهم وشهواتهم، لكن الكاتب في النهاية يترك صرخة ذاتية على لسان بطلة القصة لرفض اعتباره سلعة أو مجرد سقط متاع.

14