باولو روسي قناص يبقى في الذاكرة العالمية

الأحد 2014/06/01
جلاد البرازيل أحدث ضجة في تاريخ كرة القدم الإيطالية

روما - لم يحتج باولو روسي لأكثر من أربع ساعات لينصّب نفسه على عرش كرة القدم العالمية، وبطلا لإيطاليا التي قادها إلى الفوز بكأس العالم 1982 في أسبانيا، وهو اللقب الأول لها بعد الحرب العالمية الثانية.

أحدث باولو روسي ضجة في تاريخ الكرة في بلده بأهدافه التي سجلها والتي جعلت منه أحد أقوى الهدافين الذين عرفتهم الكرة الإيطالية، وصارت حناجر أبناء بلده كلها تنادي باسمه. واكتشفه مسؤولو يوفنتوس في أحد الفرق الصغيرة في ضواحي مدينة فلورانسا، فلم يفوتوا الفرصة وضموه بسرعة إلى النادي بعد العروض التي قدمها والمستوى الجيد الذي أظهره مبشرا بقدوم هداف من الطراز الرفيع.

غير أن انتقال روسي إلى يوفنتوس لم يكن موفقا، وسرعان ما تحول الحلم إلى كابوس، فأصيب بكسر في المعصم، ثم خضع لثلاث عمليات جراحية في الغضروف ليجد نفسه في صيف عام 1975 على لائحة اللاعبين الذين يريد النادي التخلص منهم، وأخيرا تمت إعارته إلى نادي كومي الذي لعب معه أول مباراة في 5 نوفمبر 1975، وكما كانت البداية غير موفقة في هذه المباراة التي خسرها، كان كذلك الموسم الذي قضى معظم أوقاته في عيادة الفريق.

وفي صيف العام التالي، تم تحويله إلى نادي فيتشينزا المتواضع الذي يلعب ضمن أندية الدرجة الثانية، وبعيدا عن أضواء الدوري وجاذبيته، تفجرت مواهب روسي وسجل 21 هدفا في موسم 1976-1977، وسمح لفريقه بالصعود إلى دوري الأضواء، وفي الموسم التالي قاد فريقه إلى المركز الثاني خلف يوفنتوس محدثا المفاجأة، بل وتوج هدافا للبطولة برصيد 24 هدفا متقدما على ألمع النجوم.


امتحان حقيقي


ولم يكن غريبا أن يستدعيه مدرب المنتخب الإيطالي أنزو بيرزوت إلى التشكيلة في 21 ديسمبر 1977، وخاض أول مباراة دولية أمام بلجيكا في لياج، ثم شارك في مونديال الأرجنتين 1978، وتمكن من تسجيل ثلاثة أهداف، كما بدأ نجمه يلمع بفضل تميزه واللعب البسيط الذي يمارسه معتمدا على فعاليته وكذلك السرعة في التنفيذ. وبعد هذه العروض التي قدمها في المونديال، صار روسي حديث الصحافة في إيطاليا وارتفع سعره في السوق بشكل كبير، فبعد فشله في إنقاذ فريقه فيتشينزا من الهبوط إلى الدرجة الثانية في الموسم 1978-1979، طلب النادي مبلغ 5 مليارات ليرة مقابل التخلي عنه وهو ثمن عجز حتى يوفنتوس عن تسديده، وتجددت قصة هداف إيطاليا مع الإعارات وانتقل إلى بيروجيا وهنا بدأت رحلته نحو الجحيم.

لم يكن غريبا أن يستدعيه مدرب المنتخب الإيطالي أنزو بيرزوت إلى التشكيلة في 21 ديسمبر 1977، وخاض أول مباراة دولية أمام بلجيكا في لياج، ثم شارك في مونديال الأرجنتين 1978

في فبراير 1980، اندلعت القضية المعروفة باسم “توتونيرو” الخاصة بالمراهنات الرياضية التي تورطت فيها شركتان وأحد أكبر المراهنين، ما جعل الدوري الإيطالي يمر بأخطر أزمة في تاريخه، وكان من بين الأندية المتهمة بالتواطؤ بترتيب النتائج في هذه القضية ميلان الذي تم إسقاطه إلى الدرجة الثانية، أما من بين اللاعبين فبرز اسم نجم روما الصاعد برونو غوردانو والحارس الدولي السابق البير توزي وباولو روسي الذي اتهم بتورطه في ترتيب نتيجة مباراة فريقه ضد أفيللينو في 30ديسمبر 1979 وتمت معاقبته بالإبعاد لمدة ثلاثة أعوام، ثم خفضت العقوبة إلى سنتين بعد الاستئناف.

وقال روسي مدافعا عن نفسه “كان يجب أن يدفع الثمن شخص مهم، وفهمت بسرعة أنني الضحية التي تم تعيينها… كنت كبش فداء لمنع أزمة أخطر وأعمق”. وفي سن الرابعة والعشرين، وجد نجم ايطاليا نفسه في بطالة قسرية، وكان المكان الوحيد الذي يمكن أن يلعب فيه هو بلد غير عضو في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وكان البلد آنذاك هو جنوب أفريقيا، وبرغم الإغراءات المادية الكبيرة التي عرضت عليه إلا أنه رفض الفكرة أساسا وبقي لمدة سنتين بعيدا عن الملاعب وعن أنظار الجمهور الإيطالي الذي اعتبره بريئا من كل التهم.

أحدث باولو روسي ضجة في تاريخ الكرة في بلده بأهدافه التي سجلها


تحول جذري


وفي صيف عام 1981، عرض يوفنتوس مليارات الليرات لشراء روسي من فيتشنزا، وهو ما تم فعلا لكن روسي غيّر ألوان الفريق دون أن يحملها، ولم يلعب إلا قبل نهاية الدوري بثلاث مباريات في 18 أبريل 1982. برغم ذلك قرر بيرزوت ضم روسي إلى المنتخب الذي سيشارك في مونديال أسبانيا، وهنا يعترف هداف إيطاليا بفضل مدرب المنتخب عليه حيث قال “أدين له بالكثير”، وفي مباراة الدور الأول أمام البيرو أبدل بيرزوت روسي لكنه همس له في أذنه “لا تقلق، أخرجتك لأن الأجواء غير لائقة، لكن حضر نفسك لبقية المشوار، سوف تلعب”.

وفعلا لعب روسي 241 دقيقة وكأنه في الأحلام، وبعد أن أدّى المنتخب الإيطالي دورا أول هزيلا لم يستطع أن يحقق خلاله أكثر من ثلاثة تعادلات أمام البيرو (1-1) والكاميرون (1-1) وبولندا (0-0)، وتحقيق فوز باهت على الأرجنتين في الدور الثاني (2-1)، واجه زملاء الحارس العملاق دينو زوف في المباراة الثانية من هذا الدور منتخب الأحلام البرازيلي بقيادة زيكو، أحد أقوى المرشحين للفوز باللقب.

وفي الدقيقة الخامسة من هذا اللقاء، فتح كابريني اللعب في اتجاه منطقة المنتخب البرازيلي وتلقى روسي الكرة وتابعها برأسه مسجلا الهدف الأول، ثم أدركت البرازيل التعادل في الدقيقة 12 عبر سقراط. وفي الدقيقة 25، خطف روسي كرة وسددها باليمنى قوية مسجلا الهدف الثاني، لكن المنتخب البرازيلي أدرك التعادل منتصف الشوط الثاني عبر فالكاو.

وفي الدقيقة 75 ومن ضربة ركنية فشل الدفاع البرازيلي في إبعادها، سدد ماركو تارديلّي بقوة، ووسط المدافعين تلقى روسي الكرة وتابعها داخل الشباك، مسجلا هدفه الثالث الذي قضى به على أحلام البرازيل (3-2)، ونصّب نفسه ملكا على التشكيلة الإيطالية ورمزا لجماهير بلاده. وواصل روسي تألقه في مباراة الدور نصف النهائي أمام بولندا (2-0) وسجل الهدفين وأهّل منتخب بلاده إلى المباراة النهائية أمام ألمانيا الغريبة. وعلى ملعب سانتياجو برنابيو في العاصمة مدريد، وفي الدقيقة 56 من هذا النهائي وبعد أن أهدر كابريني ركلة جزاء، رفع جنتيلي كرة نحو المرمى الألماني مرت أمام أليساندرو ألتوبيلي ثم أمام كابريني إلا أن روسي قابلها بضربة رأس رائعة مسجلا هدف إيطاليا الأول، وهدفه السادس في هذا المونديال فحمل لقب الهداف. هكذا وفي ظرف 241 دقيقة، ومن سبع لمسات للكرة صار روسي حديث الشارع الرياضي، ووسائل الإعلام المحلية والعالمية، والأهم من ذلك قلب كل التكهنات وأهدى بلده كأسا عالمية غالية على نفوس الإيطاليين. وبعد المونديال لم يستطع النجم الإيطالي المحافظة على مستواه وتنقل بين أندية يوفنتوس وميلان ثم فيرونا دون أن يتمكن من تكرار سيناريو كأس العالم.

22