بايدن في اضطرابه العقلي

نظرية "عودوا فنعود" لمعالجة العودة إلى الاتفاق النووي ليست مجرد غطاء وهمي لتلبية مطالب حكام إيران بل هي استعداد مجاني للتواطؤ مع إيران تحت ذريعة التخلي عن تطوير قنبلة نووية.
الثلاثاء 2021/04/13
بايدن يقدم خدمات لـ"أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم"

هل يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن حقا ماذا يريد من إيران؟

الجواب الذي تستطيع توقعه من المتحدثين باسمه هو أنه يعرف. ولكن ضع ما يريد، في مقابل ما يقدمه لإيران من تنازلات، وستخرج بإحدى نتيجتين هما: إما أنه يتخبط أو أنه يعاني من اضطراب عقلي.

إيران، بحسب تصنيف الخارجية الأميركية، هي أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم. الأدلة على ذلك كثيرة إلى درجة أنها تكفي لكي تجعل الأعمى بصيرا. إلا أن الرئيس بايدن لا يراها. وهو يحرك مسؤولي وزارة الخارجية لكي يقدموا التعهد تلو الآخر بأن الولايات المتحدة تعتزم رفع العقوبات عن إيران. وهو ما يعني إيصال عشرات المليارات من الأموال لأكبر دولة راعية للإرهاب في العالم. فهل يظن السيد بايدن أن هذه الأموال ستذهب للأعمال الخيرية؟

“الحوار الاستراتيجي” بين مسؤوليه وبين العراق انتهى إلى الإقرار بأن يكون العراق خاليا من “القواعد الأميركية والأجنبية”. أي أن الولايات المتحدة سوف تنسحب من قواعدها في العراق، وألا تكون هناك “قواعد أجنبية” أيضا، وهي إشارة خجولة إلى أن إيران أو تركيا لن تقيما قواعد في العراق. وهو ما يشير إلى تشوش ذهني حقيقي. ذلك أن لإيران قواعد أينما وجد الحشد الشعبي. وهو جيش تابع للحرس الثوري الإيراني. فهل يجهل السيد بايدن ذلك؟

تقديم الخدمات بين الدول لا يقتصر على تنازلات مجانية. يكفي فقط أن تترك فراغا يحتله الآخر، أو أن تقدم تسهيلات يستفيد منها الآخر، أو أن تتذرع بمطالب واهية فتحصل عليها، بينما تقدم للطرف الآخر ما يريد الحصول عليه. وهذا ما يجعلك متواطئا عن عمد أو مجنونا.

انسحاب القوات الجوية الأميركية من العراق كان بمثابة إعلان لا يرقى إليه الشك بأن الرئيس بايدن يريد أن يُخلي الساحة في العراق لإيران وميليشياتها. ولم يمض وقت طويل حتى انتهى “الحوار الاستراتيجي” إلى إخلاء كل ما بقي من قواعد أميركية في العراق.

هذا الفراغ من سيتكفل باحتلاله؟

وما كان ذاك الحوار إلا حوارا تحت غطاء رسمي بين ميليشيات إيران وبين واشنطن، وانتهى بأن كرّس اتفاق العام 2008 الذي كان بمثابة اتفاق تسليم وتسلم بين واشنطن وطهران لإدارة السلطة في العراق، مع بقاء المصالح الاقتصادية الأميركية قائمة فيه.

ليس هذا فحسب. نظرية “عودوا، فنعود”، لمعالجة “العودة إلى الاتفاق النووي”، ليست مجرد غطاء وهمي لتلبية مطالب إيران. إنها استعداد مجاني للتواطؤ مع إيران تحت ذريعة “التخلي عن تطوير قنبلة نووية”.

قد يبدو الرئيس بايدن وكأنه يتصرف بدوافع غبية، ولكنها في الواقع دليل على تشوش ذهني لا يتناسب مع الزعم القائل إنه “يعرف ما يريد”. فهو من الناحية العملية يقدم خدمات لإيران، ولكنه يحاول إيجاد تبرير “إجرائي” لها لكي لا يبدو تصرفه فاقعا.

لقد جف ريق الكلام للتأكيد على حقيقة أن التهديد النووي الإيراني ليس هو التهديد الحقيقي. التهديد هو أعمال الإرهاب وزعزعة الاستقرار التي تمارسها جمهورية العصابة التي يقودها علي خامنئي في عدد من دول المنطقة.

كل ما يبدو أن إدارة بايدن تخافه هو أن يظهر هناك في طهران مَنْ يهدد إسرائيل بتلك القنبلة النووية. ولكن لا يوجد دليل واحد على أن إيران تمثل هذا التهديد لإسرائيل بالفعل. وجمهورية العصابة تعرف جيدا تكاليفه الباهظة.

وفي الواقع فإن هذه الإدارة لا تخاف من ذلك التهديد المزعوم بالفعل، ولكنها تبيع الخوف من أجل التغطية على شيء آخر.

بايدن يتصرف في الواقع كخادم لتلك العصابة. أولا، لأنه سبق وأن مارس تواطؤا معها في العراق على امتداد ثماني سنوات عندما كان نائبا للرئيس، وأشرف بنفسه على كل أعمال التنسيق والتعاون مع طهران. وثانيا، لأنه يريد العودة إلى تقاسم الكعكة مع طهران وليس إخراجها من دوائر النفوذ التي أنشأتها عن طريق عصابات الجريمة والفساد في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وثالثا، لأنه يريد نصيبا من عقود التجارة مع إيران يفوق نصيب الصين التي ينظر إليها كمنافس تجاري.

أكثر من ذلك، فإنه يسحب قواته من منطقة الخليج ويعيد النظر في الشراكة الدفاعية مع المملكة العربية السعودية لإرضاء إيران بأكثر مما يمكن أن يفعله أيّ مأجور يعمل لصالح الحرس الثوري.

معاداته المكشوفة للسعودية هي وحدها مؤشر كاف إلى أنه يسعى إلى تقديم مكافآت لعصابة الولي الفقيه. تلك المعاداة تتخذ من جريمة مقتل شخص واحد ذريعة لتعديل استراتيجي تاريخي في العلاقة بين حليفين يعود تاريخ التحالف بينهما إلى زمن الرئيس روزفلت، بينما يتجاهل جرائم القتل اليومية التي ترتكبها عصابة الولي الفقيه تلك داخل إيران وخارجها.

بايدن، إذا كان واعيا بما يفعل، فإنه بكل أسف يتصرف كشخص وفيّ لتواطؤاته السابقة مع إيران، ويريد أن يجددها بأن يضيف إليها خدمات جديدة.

السؤال الكبير الذي يواجه دول المنطقة هو: ما العمل حيال متواطئ يهدد الاستقرار الإقليمي ويتجه إلى أن يكون أكبر ممول للإرهاب في التاريخ، وذلك بأن يُفرج عن عشرات المليارات من الأموال لجمهورية الحرس الثوري وهو يعرف جيدا أين يمكن لهذه الأموال أن تذهب.

بايدن يعرف إيران جيدا. ومثلما أنه لم يسع إلى تغيير مسالكها في السابق فإنه لا يسعى إلى تغيير مسالكها الآن.

ولو كان هناك من ينظر إلى إيران على أنها يمكن أن تعود لتتصرف كدولة لا كمجرد تنظيم ميليشياوي فهذا وهم لا يتوهمه بايدن أصلا. ذلك لأنه تعايش معه ولم يشكل مصدرا للقلق أو الضيق لديه على الإطلاق.

الجرائم التي كانت تمارسها ميليشيات إيران في العراق على امتداد سنوات حكم الرئيس باراك أوباما لم تقلقه هي الأخرى وتعمد الصمت عليها، لأن تلك الميليشيات ظلت تحافظ على حصة الولايات المتحدة من كعكة النهب والفساد في العراق.

“عودوا، لنعود” ماذا تعني؟ لا شيء في الواقع. والجانب الإجرائي منها ليس معقدا إلى تلك الدرجة التي تحول دون التوصل إلى “خارطة طريق”. وها أن اجتماعات “5+1” في فيينا، تحدد لها الخطوات لكي تبدأ المليارات تنهال على إيران.

المشكلة لا تكمن هنا. فذلك ما سوف يحصل في النهاية. المشكلة الأهم هي أن دول المنطقة تحتاج إلى إطار استراتيجي جديد يحفظ لها حقها في الدفاع عن استقرارها، أو ينأى بها على الأقل عن عواقب أعمال التواطؤ التي تمارسها إدارة بايدن.

تقليص وجود القوات الأميركية في الخليج خطوة اتخذها بايدن للتعبير عن موقف استراتيجي لا يمكن أن تغطيه المداهنات. وهذا ما قد يبدو وكأنه أزمة قيد التكوين. إلا أنه يمكن في المقابل أن يكون مصدر فرصة قيد التكوين أيضا.

الولايات المتحدة ليست في النهاية القوة العظمى الوحيدة في العالم ولا هي مصدر السلاح الوحيد. ولا التعاقدات معها إجبارية عندما لا تحترم التزاماتها الاستراتيجية.

تذهب بطاريات باتريوت (وتم سحب اثنين منها بالفعل)، وهي فاشلة على أيّ حال، ويمكن أن تحل محلها أس – 400. كما تمكن الاستعانة بغيرها. وأهم من ذلك فلن تعجز دول المنطقة عن أن تعثر على إطار دولي ما لحفظ السلام والأمن الإقليميين، وسواء شاركت به الولايات المتحدة أم لم تشارك، فإنه يمكن أن يحقق النتيجة نفسها لجعل المنطقة في مأمن من تعديات إيران وانتهاكاتها. وهو مأمن تضمنه وتحميه قوتها الدفاعية الخاصة.

ما قد يبقى عالقا، دون حل، هو أن هذا البايدن يقدم خدمات لـ”أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم” من دون أن نعرف بأيّ ممسحة سوف يمسح ذلك التصنيف أو كيف سيقنع الكونغرس بما يفعل أو ما إذا كان اضطرابه العقلي سوف يتطور إلى أن يصبح حارسا لنفوذ إيران في المنطقة بدلا من مكافحته.

8