ببساطة

جاءت أعمال الفنانة لتثبت أن ثمة أعمالا تكون فيها المادة المستخدمة بعاطفية واضحة هي الوسيلة، وهي الهدف/الفكرة المراد التعبير عنها.
الجمعة 2018/03/02
الفنانة عافية رزق تُبلور شخصيتها الفنية

خفت وتيرة النقاش في زمن ينحى إلى توظيف الافتراضية في جميع مرافقه الحياتية، حول ما إذا كان الفن، الذي لا يزال يتكمّش “بمادية” مواده، فنا يستحق الاهتمام، أو هو مجرد ممارسة يدوية تبرز فيها براعة انتقاء المواد وتجميعها في عمل واحد يكشف عن حساسية صانع العمل تجاه الأشكال والألوان.

بات هذا الفن خارج نطاق المساءلة اليوم، وتنسحب عليه قراءات جدية لا تتناول بشكل رئيسي جانبه الحرفي/التزيني، ولعل مادية الأشياء والمواد الملموسة باتت لها قيمة مُضاعفة اليوم لكثرة الهجرات القسرية والحروب المدمرة، فهي من ناحية قد سلطت الضوء على تلك الأشياء البسيطة جدا المُثقلة بالذكريات أو الحاملة لرائحة المكان المهجور، وأعطتها -لحظة فقداننا لها أو تركها وراءنا لنمشي في سبل لم نخترها فعليا- أهمية جديدة، ومعنى، فرمزية أصبحت بها تلك الأشياء متّحدة مع معناها وليست تابعة أو منبثقة منها.

ولعل المعرض الفني الذي أقيم منذ عدة أيام في فضاء “دار المصوّر” البيروتي تحت عنوان “ضوء” للفنانة السورية عافية رزق وضمّ ما لا يقل عن عشرين لوحة تشكلت من طبقات كولاج شفت بعضها على بعض حينا، وتجاورت في أحيان أخرى، ما يؤكد أن ثمة أعمالا فنية لا تريد أن تعبر عن الواقع المختبر عاطفيا، إلاّ من اتكائه على البساطة والمباشرة في استخدام مواد عضوية كبتيلات الأزهار المتنوعة ومنمنمات البذور، وقشور الأغصان، وكل ما تجانس معها بالمعنى والشكل واللون من وريقات النباتات والأعشاب والأشواك وحبوب الرمل والقليل، القليل من قصاصات الأوراق التي تعرّضت للتلوين كما تعرّضت بعض المواد الأخرى في اللوحات إلى الصبغ بألوان مختلفة.

وتحوّلت مواد هذه اللوحات إلى بصمات وإلى “أدلة” على الأماكن التي جمعت الفنانة وصمّمت منها حكاية بصرية لا تخلو من الحميمية، وفيها الكثير من القدرة على تحويل القلق والتنافر إلى مفردات “مسالمة” تكوّنت منها “واقعية” لا تمت إلى الحقيقة بشيء، فشتان ما بين الاثنين.

جاءت أعمال الفنانة لتثبت أن ثمة أعمالا تكون فيها المادة المستخدمة بعاطفية واضحة هي الوسيلة، وهي الهدف/الفكرة المراد التعبير عنها. تبنت عافية رزق كغيرها من الفنانين، نذكر منهم الفنانة اللبنانية فاطمة كوثراني، أسلوب الكولاج أسلوبا فنيا في معرضها هذا كما في معارضها السابقة التي استخدمت فيها بقايا الملابس والأقمشة القديمة. تحوّل حبها لهذا النوع من الفن إلى تبني تعلمه إلى صغار السن في محاولة لتلقينهم كيفية سرد وتحويل الفكرة إلى أشياء ملموسة داخل فضاء لوحة.

يُذكر أن خلفية رزق الأكاديمية ساهمت في بلورة شخصيتها الفنية، إذ بعد أن تخرجت من جامعة دمشق قسم اللغة العربية متوقعة بأن تصبح معلمة لغة، تفرغت عوضا عن ذلك إلى تعلم فن الفسيفساء والكولاج على أنواعه لتمارس تعليمه، إضافة إلى مشاركتها في معارض متعدّدة.

وزائر معرضها هذا سيشعر بأنه يقلب صفحات مدوّنة شخصية رصعتها الفنانة بأزهار غير مجفّفة، بقدر ما هي عينات، وبصمات حيّة عن رحلة قامت بها أو مُشاهدة ما تركت في نفسها أثرا.

لم تكتف الفنانة بتعليق لوحاتها على جدران صالة “دار المصوّر”، بل أرفقت تلك الأعمال التي تتفاوت في جماليتها بنص توضيحي يؤكد من جديد كيف يمكن للمادة المُستخدمة أن تكون القاصة الأساسية لفصول العمل الفني.

قالت “خلال رحلتي في البحث الدائم عن الحياة، أحاول التقاط كل لحظة ضوء لأنه مصدر للطاقة وللاستمرارية، ألتقط الضوء والأمل معه، متمنيّة أن أعود يوما ما إلى وطني سوريا.

ألهمني العيش في مدينة بيروت، فقد بدأت رحلتي في البحث عنه في كل مكان زرته، وجدته في أماكن استثنائية وغير متوقعة: في النبات الذي ينمو ويكبر بحرية عشوائية بين البيوت وفي الشوارع، وفي الورد البري على حافة الطرق، في قماش منسي، في ملابس مهملة، وحتى في روح امرأة عابرة.. ‘ضوء’، هو معرض كولاج لورود ونباتات جمعتها من بيروت، وحان الوقت لأعيدها إلى هذه المدينة لتغمرها بدفئها”.

17