بترا عشبة الجنة التي تنام في حلم النبطي الأخير

بترا لا تقيم في المكان عينه دائما، فهي ليست ذلك المكان الذي نحث الخطى فيه لاقتناص أمتاره طولا وعرضا، بل هي فكرة ملغزة عن مكان يشكل القبض عليه نوعا من المعجزة.
الأحد 2018/07/29
مدينة خانها الماء

أن يزور المرء بترا، جنوب الأردن فذلك حدث لا يتكرر. كل زيارة جديدة هي كذلك. فهناك وسط الرمال يكتشف المرء أن الزهور ممكنة. تلك الزهور التي تحضر نضرة في كل مرة في إمكانها أن تخبرنا بأن لا شيء يؤلم مثل التاريخ. غير أن بترا لا تقول عن التاريخ كلاما بعينه. فهي ليست مدينة تاريخية خالصة وإن ذهب بُناتها إلى العدم تاركين كل شيء في مكانه.

يشعر المرء بأن تلك المدينة التي استخفت ببولس الرسول قد سبقت كل دين إلى خلاصته: الجمال الخالص. أما التاريخ فهو شيء آخر، شيء يُعنى بالجمال باعتباره بضاعة للدرس الذي يغمر الحواس بالنوم. ومَن يزر بترا لن يكون معنيا بالتفاصيل التي يمكن ألا تكون حقيقية. سيضع كل معارفه على الرفّ ليستسلم للغبار المنقى عاريا. هناك عاطفة تنبض في كل شق يقع ما بين حجرين من حجارتها. حين كنت أصور كنت متأكدا من أن صوري لن تقول الحقيقة كما توّهمت أنني خبرتها بحواسي النائمة. أي حقيقة أقصد؟ كنت أرى بعين خيالي ما لم تكن عيناي الواقعيتان قادرتين على رؤيته. لقد أدركت يومها أن في إمكان بترا أن تنتج بشرا يكون الخيال مهنتهم.

زائر بجناحين

بترا عمارة هائلة هي عبارة عن نحت عملاق مدور
بترا عمارة هائلة هي عبارة عن نحت عملاق مدور

كما لو أن الخالق رفع يده للتو، لحظة الخلق لا تزال ساخنة. بترا لا تقيم في المكان عينه دائما، فهي ليست ذلك المكان الذي نحث الخطى فيه لاقتناص أمتاره طولا وعرضا، بل هي فكرة ملغزة عن مكان يشكل القبض عليه نوعا من المعجزة. علينا أن لا نصدق عيوننا دائما. هي ليست هنا وليست هناك أيضا. جزء منها يكفي لكي تتحقق تلك المعجزة البصرية. غير مرة وأنا أشعر بالعجز عن تفسير ما يجري لي.

قلت لنفسي: هذا يكفي. بعدها استمر في المشي، مثقلا بأصوات كائنات لا مرئية تُعبّئ جسدي خيالا. “أين أنت؟” أقول لنفسي. هبطت على كوكب أم غفوت في حلم رجل، مهنته صناعة الأساطير. منذ الخطوة الأولى التي يلقيها على ذلك الدرب الطويل يدرك المرء أنه يمشي محلقا خارج المكان. لا مكان بعينه، بترا تهب زائرها جناحين. تتخلى القدمان عن وظيفتهما. العينان تمشيان أيضا، بل الحواس كلها. أن ترى فأنت تعرف أنك صرت مرئيا أيضا من قبل بشر سبقوك إلى المعرفة الخفية، تلك المعرفة التي تسعى جاهدا إليها من غير أمل واضح في الوصول. تتأكد من أن مشهدك يبعث على الضحك وأنت تبحث عن أولئك البشر الذين اختفوا. “هل اختفوا حقا؟” ألفان من سنوات الغياب زمن يكفي للانفصال المطلق. ولكن هل نحن على يقين من أن بترا قد انفصلت عن ذاتها لتكون مسرحا لحكاية تاريخية محايدة؟

الدليل السياحي لا يقول سوى مرثيات تنتهي بالندم. ولكن المرئيات تقول شيئا آخر. “لولا خيانة أحد مهندسي المدينة لما اهتدى الجيش الروماني إلى الينابيع والآبار التي تغذي المدينة بالمياه” عبارة جارحة، ذلك لأنها تغرس الخيانة في قلب الحقيقة مرة أخرى. الخطأ الذي يصنع جزءا من جوهر التاريخ البشري.

ولكن من يرى المدينة، ما يظهر منها الآن وهو جزء صغير، لا بد أن يهتدي إلى فكرة نقدية: ربما استنفدت بترا أسباب وجودها. لا تتعلق تلك الأسباب بالتاريخ وحده، بل بالجمال في قوته الملهمة. أعني أن تلك المدينة ـ الحضارة وقد خلصت إلى جمالها المطلق لم تجد أمامها سوى أن تختفي لترعى ذلك الجمال في مكان آخر.

انتقلت بترا بجمالها المطلق إلى عالم الغيب فيما استولى الرومان على صخورها. لقد شُبه لهم. كانت روح المدينة موجودة في مكان آخر يوم انحرفت طرق التجارة عنها وصارت مجرد صخور. ومع ذلك فإن تلك الصخور لا تزال تصيبنا بالبكم دهشة.

سنتمتر بعد آخر

زائر المدينة لا بد وأن يهتدي إلى فكرة نقدية ما: ربما استنفدت بترا أسباب وجودها
زائر المدينة لا بد وأن يهتدي إلى فكرة نقدية ما: ربما استنفدت بترا أسباب وجودها

أمشي بين جبلين، الفضاء من فوق يتسع ويضيق. نبطي أنا، أجدادي مروا من هنا. لست سائحا مندهشا، أعرف أن عبقرية الأسلاف تلقي بي في حيز ضيق حزين. فجأة من بين الظلال تظهر الخزنة. أكثر الأماكن المكتشفة اكتمالا واستعلاء. أحاول أن أؤجل النظر. شيء من عبقرية المكان كله يتجلى هنا. اقترب بهدوء وأتسلق الأعمدة بنظري ببطء شديد، سنتمترا بعد آخر. يحتاج المرء إلى ساعات، أيام، سنوات ليصل إلى الفضاء البعيد من غير تعب، بشرط أن يمحو كل ما ترسب في ذاكرته.

عمارة هائلة هي عبارة عن نحت عملاق مدور. استخرج الأنباط من الجبل قصورهم ومعابدهم وبيوتهم ومقابرهم. وجدوا الجبل فصنعوا منه مادة لخيالهم. كانت الأسطورة تتبع خيال أصابعهم المتوترة. ليست الحقيقة التاريخية سوى ظل لذلك الخيال.

أعيش لذة النظر المنبهر وأتساءل عن لذة الخلق. كانت الأرواح تتسامى فيما الأقدام تمس تلك السلالم بشعر أعصابها المتوتر. في كل مكان تقع عليه عيناي أرى بقايا سلم يقود إلى مكان لا يرى، أو أنه صار كذلك. اعتقد أن آلة الزمن التي نعرفها خياليا لا تعمل في بترا. يشعر المرء حين يمد يده إلى أي حجر أنه لا يمس زمنا بعينه، فيده التي تقع في فراغ موحش لا تقبض إلا على هواء الأبدية. ليست الطريق الرئيسة سوى نهر يجري بترو.

فجأة يبرد الهواء في يوليو. أقف لتشملني أجنحة الملائكة برحمتها. معجزات صغيرة اجترحها الأنباط من أجل أن يهبوا جنتهم الأرضية معنى العيش المباشر. أتكئ بجسدي كله على الصخر وأغمض عيني. على بعد متر واحد يقع الجبل المقابل. تمر الحمير المدرّبة على حمل الزائرين الكسالى، تمر الفتيات بسيقان الزرافات العارية وأحذيتهن الخفيفة، يمر الشعراء من رفاق الرحلة. لا أحد يجرؤ على إيقاظ النبطي الذي صرت إليه من نومه. في لحظة بذاتها يستغني المرء عن حواسه المباشرة. لا يرغب المرء في أن يقول “كنت هناك” بل يرغب في أن يكون موجودا.

“لقد عشت” حين يغمض المرء عينيه على مشهد من بترا يتحقق معنى العيش كله خارج التاريخ. لا يتعلق الأمر بفردوس أرضي بقدر ما يتراءى ذلك الفردوس بصفته نوعا من السلوك الأرضي. لا يكفي أن يكون المرء هناك.

ليست بترا بابل ولا قرطاج ولا روما. هي ليست صنيعا بشريا خالصا مثلما هي حال المدن التي صنعت تاريخا. في المسافة التي تقع بين الإنسان والإله تقع بترا أسلوب خيال ومحبرة لكتابة لم تُستنفد حروفها بعد. مدينة هي نتاج تلك اللحظة الأسطورية التي يمتزج فيها الإلهي بالبشري من غير أن يعني ذلك الامتزاج انبثاق كائن ثالث هو وليد لحظة الالتباس العظيمة تلك. ولكن المعجزة تكمن في أن لا أحد في إمكانه أن يفصل بين ما هو نتاج الإله وبين ما هو بشري خالص في تفاصيل تلك الجمل الموسيقية التي تصل الأرض بالسماء. حتى الجبال التي هي هبة إلهية لا تستقر جماليا إلا من خلال الزخرف الذي تتقن استلهامه حياة الناس العاديين أو الملوك على حد سواء.

يرى المرء في الأفق البعيد لطخات سوداء في الجبل فيدرك أن كل واحدة من تلك اللطخات هي باب تؤدي إلى عالم آخر، هو جزء من سماء لا يزال في إمكانها أن ترتجل كائناتها اللامرئية. كائنات تنبثق من الحجر مثل ينابيع مجهولة المصدر، في يد كل كائن زهرة هي عبارة عن مفردة لغوية نضرة لا تذهب إلى القاموس بل إلى الفم مباشرة. كل اللغات ممكنة في بترا فلا عمر لها. أللحجارة قلب؟

أمة تلتحق بالخفاء

بترا مكان يتسع له القلب
بترا مكان يتسع له القلب

سلع التي صار اسمها بترا “الصخرة في اليونانية القديمة” بعد احتلالها من قبل الرومان يوم كان تراجان إمبراطورا كانت قد استقبلت الألفية الأولى بخفة الحرف الذي كانت خطوطه تتشكل متنقلا بين السلالات: بدأ ذلك الحرف آراميا ليخرج من مصهر الخيال النبطي عربيا لكن من غير نقاط. أبصر أعلى باب مهملة يدا واثقة تكتب جملة ملقاة من أجلي، من أجل رجل سيقف بعد ألفي سنة لا ليقرأ بل ليبكي.

لم يكن تراجان يتخيل مشهدي يوم انتهى إلى قراره: احتلال المدينة حتى لو مات أهلها عطشا. للاحتلال لغته التي تمضي معه غير أن هناك صمتا يتبع ضجيج تلك اللغة الهاذية لو أنصت إليه تراجان لأصابه الجنون.

في بترا يشعر المرء أن كل لغة هي مجموعة متلاحقة من لحظات الصمت. لا بد لك أن تصمت ليحل الجمال بكل أبهته. هل كان الأنباط يفكرون في نهاية التاريخ؟ شيء من هذا القبيل يهبط مثل نبوءة يائسة. كل هذا البياض من أجل صيحة ديك لم ينجده الفجر. لقد اختفى الأنباط أو اندمجوا بأقوام هي أقل منهم شأنا. وهو ما حدث للسومريين في العراق القديم.

لا تنتج الحضارات المطلقة إلا شعوبا مفاجئة في تواضعها وزهدها وضجرها الخلاق. هي ذي أمة تذهب إلى الخفاء. ولكن بترا لا تزال موجودة. على الأقل شيء منها هو ذلك الجزء المكتشف. وهو جزء بالرغم من صغره غير أنه يصيب الزائر بقدر هائل من الإرهاق البصري. يكفي أن المرء يقول لنفسه “لم أر ما يضارع هذا الجمال دنوا من لحظة الخلق النضرة”.

حين دخلت إلى الخزنة، إلى الجزء المكتشف منها، هبّت علي تيارات هوائية، لم تكن سوى جمل متشظية من لغات متجاورة، عرفت في ما بعد أن الأنباط باعتبارهم بناة مشروع جمالي كانوا قد وضعوها كلها في متناول ألسنتهم. أغادر بترا متلفتا وأنا أردد بيت الشريف الرضي “وتلفتت عيني فمذ خفيت/ عني الطلول تلفت القلب”. بترا مكان يتسع له القلب.

9