"بتوقيت القاهرة" فيلم يفشل في تحويل الكلمة إلى أفق الشاشة

الجمعة 2015/02/20
ثلاث حكايات منفصلة ومتصلة في آن تدور في يوم واحد

يقول المخرج دارين أرونوفسكي إن هناك مكانا واحدا فقط لوضع الكاميرا من أجل تصوير لقطة أو مشهد ما، وهذا الوضع لا يجب أن يقتنع به المشاهد، ولكن أن يؤمن تماما بأن اللقطة لا يمكن أن تحدث شعوريا، إلاّ إذا التقطت من هذه الزاوية تحديدا.

فيلم “بتوقيت القاهرة” لأمير رمسيس، يطرح ثلاث حكايات منفصلة ومتصلة في آن تدور خلال يوم واحد؛ اثنتان في القاهرة، وواحدة في الطريق إليها من الإسكندرية، الصلة العضوية بينها هي عنوان الفيلم “بتوقيت القاهرة” الذي يحتوي على ظرفي زمان ومكان دراميين، أي الآن في الحاضر، وهنا في المجتمع الذي يشهد تحوّلات ضخمة نحو الأسوإ.

هذه التحوّلات تبرز مكثفة من خلال علاقات الشخصيات المتشظية في عوالمها (ديلر أي مضارب لحساب الآخرين، ورجل مصاب بالزهايمر، وممثلة معتزلة، وممثل عجوز)، سواء كانت تلك العلاقات مع تاريخها الشخصي والجمعي، أو مع بعضها من خلال لقاءات متقاطعة بحكم الصدفة القدرية أو القرارات الانفعالية.

“يحيى شكري مراد”، وهو بالمناسبة اسم شخصية يوسف شاهين في أفلام السيرة الذاتية، المصاب بالزهايمر يقرر أن ينزل إلى القاهرة، كي يبحث عن امرأة لا يذكر عنها سوى أنها حب حياته، حاملا معه ساعة ضخمة هي تجسيد مادي لفكرة الزمن الذي يحمله بداخله، لكنه في صورة مشاعر وليست ذكريات محددة، أو كما يقول للديلر الذي يصاحبه في تلك الرحلة: أصبحت أنسى الناس وأتذكر فقط مشاعري تجاههم.

وفي الوقت الذي يعاني منه يحيى مراد من قسوة ابنه “السلفي” ظاهريا والمعاق باطنيا -فهو لا يمنعه تديّنه من ضرب أبيه على وجهه-، نجد ليلى سماحي الممثلة المعتزلة وحب عمره نفسها أمام فتوى عبثية -قد تكون واقعية بالمناسبة- تجعل من كل ممثل وممثلة عقدا قرانهما في أي فيلم سينمائي زوجا وزوجة بشهادة الجمهور، ويجب عليهما أن يطلقا إذا ما أراد أحدهما الزواج، وبناء على تلك الفتوى تذهب إلى الممثل العجوز سامح كمال لكي تطلب منه تطليقها، فيصاب بحالة من الهيستريا.

الكثير من مشاهد الفيلم ولقطاته يمكن الاستماع إليها، وفهمها شعوريا ونفسيا دون الحاجة إلى النظر إلى الشاشة

إذن تتقاطع حياة يحيى وليلى في عنصر واضح، وهو أن كلا منهما يقع تحت طائلة المدّ الرجعي للتشدد الديني، فيهرب يحيى من ابنه، وتحاول ليلى بشتى الطرق إقناع سامح بتطليقها إلى أن تلتقي بيحيى عبر الصدفة المدبرة قدريا، فيكتشف كل منهما أن النجاة من النسيان والقفز فوق شوك الواقع، لن يتحقق سوى باستعادة مشاعر الحب الأول المفتقدة والرائعة.

وهي ذات المشاعر التي تجعل من وائل وسلمى ابنة ليلى، يقاومان الكبت والازدواجية والقناعات البالية والظروف الاجتماعية البائسة عبر ممارسة الحب لأول مرة في شقة صديق وائل، بعد أن قاما بتنظيفها من أجل أن تليق بفعل الممارسة المقدس لأول مرة.

نتوقف هنا أمام عنصرين أساسين في قراءة سيناريو أمير رمسيس: الأول هو إهداء الفيلم لصوت شادية، واتخاذ أغنيات شادية المعادل الصوتي الدرامي لأحداث الفيلم الشعورية وتفاصيل العلاقة بين الشخصيات، فشادية من أوائل الفنانات اللاتي اعتزلن السينما وارتدين الحجاب.

وفي المقابل ظلت ذلك الصوت الأيقوني الرائع بكل المزاجية الجميلة التي يخلقها سماعه، فالفن لا يرتبط بوجود مبدعه، بل هو فعل إنساني وجودي مستمرّ، وبمجرّد أن يولد يصبح ملكا للوجدان الجمعي.

ليس من الغريب إذن أن يجعل أمير رمسيس الكاتب والمخرج، صوت شادية الخالد معادلا صوتيا لفيلم، يتحدث عن فاشية التزمت وحدود الدين وبراح الدنيا.

العنصر الثاني هو فكرة ثنائية الأجيال التي تمزقها الازدواجية، فالفيلم يدور بين جيلين: جيل يحيى وليلى وسامح، وهو جيل قادم من عصر الحريات والتفتح والإعلاء من شأن الحياة، وجيل الأبناء المتمثل في الابن السلفي ليحيى وأخته الطيبة التي قامت بدورها درة وسلمى ابنة ليلى وحبيبها وائل وأخيرا حازم الديلر الشاب، بل ويمتد إلى ابن سامح المهاجر إلى كندا، الذي نسمع صوته فقط عبر الهاتف، حين يبلغ ليلى أن تعتذر لوالده عن الدعوة التي وجهها إليه بالحضور إلى المهجر.

هذا الجيل الممزق شعوريا ونفسيا واقتصاديا هو الانعكاس الأمثل لفكرة ما يحدث هنا والآن، فليلى تقول لسامح إنها تريد أن تتزوج بعد أن أعلنت توبتها عن السينما، من أجل أن تحظى باحترام ابنتها، بينما ابنتها نفسها لا تجد منفذا لممارسة مشاعرها الطبيعية مع حبيبها سوى شقة صديقه الثوري، صارخة فيه إن هذا يمكن أن يحولهما إلى حجر، وتقصد عجزهما عن ممارسة مشاعرهما وحجم الكبت الضاغط عليهما من مجتمع متحرش، يدّعي الفضيلة ويؤمن بأن خطيئة السرّ خير من حب العلن.

أما الابن السلفي فهو نموذج التشدّد بوجهه القبيح، فهو يضرب والده وحين يغادر هربا منه يبلغ عنه البوليس من أجل مطاردته، وكأنه مجرم هارب، بينما تقف الابنة الطيبة في موضع رمادي عاجز، لا تستطيع سوى أن توصي الديلر المغامر بالحفاظ على الأب بعد أن صارت ذاكرته الشعورية، هي كل ما تبقى له في هذا المجتمع البائس.

وفي سياق مغاير إن مدّ الخط الشعوري والوجودي على استقامته يجعلنا نستشعر أن يحيى شكري مراد، الذي يتطابق اسما مع أبرز شخصيات شاهين، أو هو سلخة من روح شاهين نفسه، أصيب بالزهامير عن عمد، لكي ينسى قسوة الواقع وجفاف المشاعر والتفاصيل من حوله، بعد أن ماتت زوجته ومن قبلها غادرت حبيبته.

فتوى عبثية تجعل من كل ممثل وممثلة، عقدا قرانهما في أي فيلم سينمائي زوجا وزوجة بشهادة الجمهور

في المقابل ماذا فعل أمير رمسيس المخرج في سيناريو أمير رمسيس المؤلف؟ الحقيقة هو لم يفعل الكثير، وهو ما يعيدنا إلى رأي أرونوفسكي الصارم، فالكثير من مشاهد الفيلم ولقطاته يمكن الاستماع إليها وفهمها شعوريا ونفسيا دون الحاجة إلى النظر للشاشة، فالزوايا والأحجام لا تضيف أيّ شيء. صورة فاترة لشخصين يجلسان في بهو فيلا يتبادلان الحديث، دون أن يكون لزخم التفاصيل من حولهما أيّ علاقة بما يمارسان من فعل الجدل، حول عبثية الفتوى التي أحضرتها ليلى لسامح.

على مستوى الأداء يبدو نور الشريف أكثر إقناعا من أيّ ممثل آخر، دون الحاجة إلى بذل أيّ جهد تمثيلي، وعلى العكس تماما أخفقت ميرفت أمين في الوصول بنا إلى مستوى التعاطف المطلوب، مع ممثلة معتزلة صارت نهبا لهلوسات دينية نتيجة فقر الروح وتواضع الموارد المالية.

وبدا سمير صبري منهكا أكثر مما تحتمل شخصية الممثل المتصابي. ومع ذلك يظل المخرج شريكا في تواضع مستوى الأداء، فهو عين الكاميرا على الممثل وهو صاحب قرار الاختيار من البداية، كما أن الأداء المتفاوت ما بين عفوية آيتن عامر وبساطتها في التعبير عن مشاعر الفتاة التي تريد ممارسة الحب في مجتمع متخلف لن يغفر لها ذلك، في مقابل بلادة كريم قاسم وتلعثمه بحثا عن كلمات الحوار، مما أفسد هارمونية كان من المفترض أن تتولد في ذلك الخط الدرامي الذي يربط لا شعوريا، بين رحلة حازم ويحيى وجدل سامح وليلى.

“بتوقيت القاهرة” ليس مجرّد تجربة فيلمية تستحق المشاهدة، ولكنه أيضا درس في كيفية البحث عن المخرج المناسب للسيناريو، حتى ولو كان المخرج نفسه هو الكاتب، وليس في هذا عيب، بل هو مكمن القوة ورأس الحكمة المطلوبة للخروج بفيلم جيّد من أرض الكلمة إلى أفق الشاشة.

16