بثينة العيسى تقتحم في "خرائط التيه" عوالم التوحش الإنساني

عديدة هي أشكال التعبير عن القلق الوجودي الذي يصيب الإنسان، فيحوّله إلى كائن تائه باحث عن حقيقة قد تنتشله من بؤرة الضياع، التي لا تنفكّ تتسع كلما أحس بتناقضات هذا العالم المتغيّر. هذه الأشكال التعبيرية نرصدها أحيانا في بعض الأعمال الأدبية التي تعبّر عن حكايا واقعية أو متخيلة، تهدف كلها إلى الخوض في عوالم مسكوت عنها، عوالم مسكونة بهاجس البحث عن أحلام أخرى قد تقاوم كوابيس يعيشها الفرد في الواقع، الذي لا يستطيع الهرب منه، أو قد تقف حاجزا أمام تنامي الشعور بالمأساة والرعب والألم والقهر.
الأربعاء 2016/03/02
الإنسان في عالم مخيف (لوحة لدارين أحمد)

المتابع للروائية الكويتية بثينة العيسى لا يمكن أن يفوته ضمن مشروعها الروائي حرصها على ملامسة بواطن الإنسان ورصد دروب تيهه المتعددة، ولا يمكن أن يفوته أيضا مراقبتها لانتقاله السريع وتتبع خطواته للنبش في ما لا يرى عادة. رواية “خرائط التيه”، الصادرة مؤخرا عن الدار العربية للعلوم ناشرون سارت ضمن هذا الخط لتنقلنا من تيه إلى آخر على امتداد صفحاتها (410) تاركة الأبواب مفتوحة.

رواية “خرائط التيه” هي رحلة حج تتحوّل إلى مسلسل من القلق والرعب والسير في دروب التوحش، فيصل وسمية الزوجان الكويتيان لم يكونا يعرفان وهما في بيت الله أن يضيعا إثر ضياع ابنهما الوحيد ليشهدا كل أنواع الرعب.

بثينة العيسى قسمت الرواية إلى فصول قصيرة، بدت وكأنها فلاشات مكثفة لأن المشاهد لا تحتمل المزيد من التفاصيل، بدت أيضا لغة الحوار مشذبة وذكية كثيرا، وتحمل في طياتها أضعاف ما تصرّح به، ولا سيما حوارات سمية وزوجها، وسعود وأخيه وجرجس وروبيا.

الرواية على طولها وعلى ما تبثه من وجع فقدان الولد، ومن ألم في طيّات اختفاء الطفل مشاري وتعرّضه للأذى، إلا أنها تحمل قدرا هائلا من التشويق الغريب، فأنت لا تمل منها ولا تريد لها أن تنتهي فعلا.

تناقضات الإنسان

الكاتبة استطاعت أن تأخذ القارئ في رحلة السؤال والبحث عن إجابات ممكنة، متعمقة بين الحقيقة والوهم (يقين سمية وشك فيصل) من خلال تيه الابن مشاري، إنها تأخذنا بعيدا في الحكاية لتربط خيوط التيه المتعددة والكثيرة، تدخل بنا في عوالم المنسيين (الطفلة الهندية مريم التي لا يمكن لأهلها فديتها، الفقراء الذين يقطعون طرقات الصحراء لأجل حلم يسمى الحياة ويُعاد بهم إليها جثثا، المخيمات التي تعج بفاقدي السند ومجهولي النسب وو…) ومن خلال قصة تيه مشاري تقتحم عوالم التوحش الإنساني لتقودنا إلى الوجه الآخر للمدينة، في مكة وفي موسم الحج ومع الأصوات المتعالية وهي تدعو الله.

ثمة شيطان يحفر ليبني أسواره الحمراء والسوداء، هكذا تقودنا بثينة العيسى لنجد أنفسنا وجها لوجه مع الجريمة (خطف، قتل، اغتصاب وتشويه للروح والجسد).

الكاتبة في روايتها استطاعت أن تأخذ القارئ في رحلة السؤال والبحث عن إجابات ممكنة، متعمقة بين الحقيقة والوهم

الكاتبة اعتمدت التوازن شكلا ومضمونا، من خلال اقتحامها عوالم الجريمة والتوحش أفردت مساحة واسعة لتسرد القهر والجوع واللا وجود الذي يحوّل أطفالا إلى مجرمين عديمي الرحمة، فمن خلال شخصيتي جرجس وروبيا تصف الكاتبة المعاناة التي يعيشها العالم المنسي، بثينة تضع يدها على الجريمة بوجهها الحقيقي؛ جريمتنا بتناسينا الآخر الضعيف، وجريمة هذا الضعيف الذي توسّل قوته الخاصة المتوحشة.

ثمة سؤال ضمني في خرائط بثينة العيسى؛ من منا المجرم الحقيقي؟ نحن العالم، أو العالم المنسي المقهور؟ سؤال يجد إجاباته المتعددة في تيه سمية وفيصل، وحتى في رسالة سعود للضابط المصري مصطفى في نهاية الرواية، لنجد أن لكل منا تيها خاصا به وأن كلا العالمين مرتبطان ومتشابكان.

“خرائط التيه” مرآتك التي تعري تناقضاتنا، فيصل وسمية داخل كل منا بكل هذا التأرجح بين اليقين والشك، والإيمان واللا إيمان، “الصلاة ذريعة من يملك الوقت والقلب” بين السؤال والجواب، جرجس وعصابته من خاطفي الأطفال وسؤالنا: ماذا لو وجدت نفسك وحيدا وجائعا وبلا مأوى في هذا العالم؟ ماذا لو خطفت وأجبرت على العمل كخطف الأطفال؟

بثينة من خلال وصفها الدقيق لعوالم روبيا وهي تستذكر كيف انتهى بها الأمر إلى عصابة لخطف الأطفال تمتحن إنسانيتنا وتسألها، تضعها أمام المرآة وتقول لنا ها نحن بصمتنا وعهرنا وكذبنا “نبيع كل شيء، ولا مال لدينا لنشتري أنفسنا، ماذا لو كانت قيمة الإنسان ميتا أعلى منها حيّا؟”.

مرآتك التي تعري تناقضاتنا

منطقة وعرة

في رواية “خرائط التيه” ثمة مجهودات كبرى يتلمسها القارئ خصوصا على مستوى البحث في الأمكنة (الكويت، مكة، جيران، عسير، سيناء)، الكاتبة استطاعت من خلال الوصف أن تجعلها تمثل لحواس القارئ حتى تصبح قابلة للشم والنظر واللمس، أيضا اشتغالها على نفسيات الشخوص وأبعادها المتعددة، وكذلك سلوكياتهم المختلفة، غاصت عميقا ونبشت في دواخل الإنسان وانفعالاته من خلال ملامسة وعيه ولا وعيه.

لامست الكاتبة منطقة حساسة ووعرة وهو ما يدل على شجاعة بثينة العيسى تفكيرا وكتابة، هذا نلاحظه سواء من خلال المواضيع المرصودة في هذا المنجز، أو من خلال رسمها للشخوص، وحتى بكسرها اللغة الشعرية والدخول إلى لغة من بـاب قبـح الواقع، لتعيد تشكيلها وفـق وعيهـا وثقـافتها.

في الحقيقة إن الحيرة تنتابك بعد أن تنتهي من الرواية، هل بثينة العيسى من قادت الشخوص والحكاية، أم أنها رسمت ملامحها ورسمت لها مكانها الطبيعي، وأحدثت حفرا، ومن ثمّ أطلقتها لتتركها لمصيرها الناتج عن أفعالها؟ هل تعاقب المجرم أم تجعله يعاقب نفسه، وتجعلنا نكتشف داخلنا؟

إننا بطريقة ما كلنا مجرمون ومتورطون في هذا العالم القبيح، لذا حرصت على أن تجعلنا نراجع أنفسنا ونراقب ذواتنا وعلاقاتنا بالآخرين، ولعل التوطئة التي أدرجتها بثينة العيسى في البداية ليست من باب الصدفة بل هي أمر صادق ومدروس “هذه الرواية هي من وحي الخيال، وأي تشابه أو تطابق بينها وبين الواقع، فهو من قبيل سوء الحظ، ليس لكاتبتها وحسب، بل للعالم كله”.

“خرائط التيه” تجعلك تطرح الكثير من الأسئلة، تلمس تيهك الذاتي، كما تتلمس دروب التيه الكثيرة في الرواية، قد تحسم القول بأنها رواية مؤلمة وقاسية وقبيحة من حيث هي تعريـة للمسكـوت عنـه (تفـاصيل اغتصاب الطفل مشاري، جرائم القتل والاختطاف، المتاجرة بالإنسان…)، ذلـك إن نظرت إليها كلاسيكيا وبقراءة غير نقدية، ولكن مع رواية كـ“خرائط التيه” بمستوى طرحها لمواضيع متعددة وجريئة نشعر بمتعة الكتابة الحقيقية.

14