بث مباشر من شاشات عقولنا

الثلاثاء 2017/05/16

المعرفة السهلة هي عنوان عريض لنوع جديد من تلقّي المعلومات، أن يأتيك كل ما تريد معرفته أو لا تريد مباشرة، وبلا كثير عناء.

هنالك من يجدّ في اختصار الطريق على ذلك الشخص المسترخي في السرير أو على الأريكة أو في المقهى أو في العمل ويقدّم له أطباقا متتالية من المعارف والمعلومات وكذلك يغذّي لديه دافع الفضول.

هنالك اليوم مثلا أكثر من بليوني إنسان فيسبوكي، أي أنّ تلك الكتلة البشرية الهائلة متعددة الثقافات واللغات والأعراق والأعمار والأجناس كلّها جميعا تجري تغذيتها بالمعرفة السهلة وتحريك خاصيّة الفضول لديها، أناس لا تكاد تعرفهم وإذا بك تتوغل في غُرَف عيشهم ومعرفة أصحابهم وصاحباتهم ووسطهم الاجتماعي وبيئاتهم، كيف ذلك وبهذه السهولة؟

هذا ما لم يكن متوقّعا أو أنه نتيجة جانبية وحصيلة غير محسوبة بين محصّلات أخرى كثيرة.

سيجتهد الباحثون في وسائل التواصل الاجتماعي بشأن ردود الفعل العصبية وفاعلية الدماغ وإشاعة الإحساس اليومي بالرضا عندما يتم إشباع المعرفة والفضول بشكل متتابع مع تدفق تيار أخبار المشتركين في شبكة التواصل من الأصدقاء، إنّك جزء حيويّ غير منظور في حياتهم وهم كذلك.

في المقابل هنالك فاعلية الخيال والتخيّل والاستعداد النفسي والعقلي للمشاركة وترجمة الأحاسيس التي جرى تطويرها قدما من خلال الإيموجي أو تلك الرسمات الصغيرة المصاحبة لرد الفعل حزنا أو فرحا أو تعجّبا أو موافقة أو لا مبالاة، وأنت أيها الكائن الفيسبوكي تعوم في وسط ذلك البحر المتدفق من المعلومات والمعرفة السّهلة والفضول اللطيف الذي لا يُزعج أحدا، هو فضول مسالم وبريء ويمنح الإحساس بنوع من الراحة والبهجة وشعورا غامرا بالمشاركة ثم التداخل مع الآخر.

لعلّ هذا الذي نحن فيه آخذ في التطور إلى مستويات غير مسبوقة وغير متوقعة، أن تتصاعد فاعلية المشاركة بين تلك الملايين التي تتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي إلى درجة أعلى مما هي عليه الآن وهو ما صرّح به مؤخرا مارك زوكيربرغ المؤسس والمدير التنفيذي لشبكة فيسبوك بأن الهدف المستقبلي هو الوصول إلى مشاركة الأفكار من العقل إلى العقل، ومثال ذلك أن تفكّر في شيء ما فيشاركك فيه أصدقاؤك من خلال ما يُعرف بخاصيّة التخاطر.

الحاصل أنها ليست إلا المقدّمة، فمسيرة أبحاث التخاطر لم تتوقف يوما وستصل في أمد منظور إلى ترجمة الأحاسيس المتدفقة عبر الموجات الدماغية وتحويلها إلى أوامر برمجية، وبذلك ينغمر المشاركون عبر الكوكب الأرضي في عالم افتراضي عجيب من المشاركة الحسية والعقلية والوجدانية، كان إلى حد قريب قصة من قصص أفلام الخيال العلمي.

هنالك فارق بين ما تخطو وسائل التواصل الاجتماعي وتخطط له وبين تلك الاستخدامات الفوضوية التي نشهدها اليوم في عالمنا العربي لوسائل التواصل الاجتماعي، فالقوم في بعض الأحيان يريدون لتلك التكنولوجيا التواصلية الحديثة أن تكون بوقا للصراخ وحلبة للمصارعة وميدانا للتحرّش وأرضية لبثّ الخرافات والخزعبلات، ربما هي سلوكيّات وقتية وسيجرف المدّ التكنولوجي الرقمي المتطور كلّ هذا عندما يصبح ذلك النوع من التخاطر متاحا، ساعتها سيكون للعالم منطق آخر وعلاقات بينيّة مختلفة بين بني البشر عندما تكون حواسنا وأفكارنا ليست ملكنا ولا محكمة الإغلاق في صناديق أدمغتنا بل هي مترجمة في بث مباشر على الشاشات الرقمية بل هو بث مباشر من شاشات عقولنا.

كاتب عراقي

18