"بجرة حرب واحدة" بعض من الحب في بشاعة صور الحرب

صورت العديد من الأعمال الأدبية الحرب الدائرة في سوريا، ونقلت الأحداث الدامية، في ظل الاقتتال الطائفي والمجازر اليومية، وحملت الكثير من المواجع والمآسي التي يعانيها الشعب السوري، أمام أصوات الرصاص وهدير الطائرات، وشبح الموت، الذي حول المدن إلى خراب. هذه الأعمال ركزت جلّ محاورها على هذه المواضيع التي أضحت السمة الطاغية على العديد من الروايات والمجاميع الشعرية لأسماء سورية وغير سورية.
الجمعة 2016/04/01
متى ينتهي الجحيم

تحفل قصائد المجموعة الشعرية “بجرة حرب واحدة”، للشاعرة السورية نسرين أكرم خوري، بتأثيرات الحرب التي تعصف بوطنها النازف. لكن خوري لا تكتفي بتصوير الموت مباشرة والخراب المادي، إنها تروي حكايات الحب التي قضى عليها الرحيل والآمال المندثرة سحقا، والمقاهي المطفأة بعد أن كانت تجمعات تشكل مهرجانات محلية للناس في السهرات الحلوة.

تتسم قصائد المجموعة التي اشتملت على 41 قصيدة ووردت في 86 صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن “دار التكوين”، في دمشق، وبلوحة غلاف للفنانة التشكيلية أمل زياد كعوش، ببساطة فنية أخاذة تتفجر إيحاء ورموزا وصورا لتصف عمل الحرب في النفس والعالم المحيط بها. كما تتميز باتساع رقعة المواضيع المتناولة، ولعل أكثرها وضوحا ما اتصل بالوطنية والوجدانية والوجودية.

جاءت القصائد مكثفة ومعمقة، رغم ما تتسم به من البساطة اللغوية، حيث عمدت الشاعرة لاتباع البساطة في الأسلوب واللغة، غير أنها كانت واعية تماما برسالتها الإنسانية والشاعرية لذا كان التشفير والرمز حاضرين.

الصورة النفسية

الصورة الشعرية لدى نسرين أكرم خوري احتوت على الكثير من الصور الجديدة، كالصورة الكلية والمكثفة، والصورة المتوازنة والانتشارية والتفصيلية، غير أن الصورة النفسية كانت الأبرز والأكثر صدقا وملامسة لوجدان القارئ، حيث اعتمدت على حركة الانفعال الداخلي.

القارئ أمام قصائد المجموعة سيشعر أنه أمام شاعرة اختارت البوح بلغة في غاية البساطة، لغة صادمة تستفزّ حاسّة القارئ وتنهمر بغزارة كالمطر، ثمة توافق ضمني بين الشاعرة والقارئ يتولد من اتقان رسم الصورة النفسية “لا أخوات لي كي تنادي أمي علي بأسمائهن/ ولم يخلقني الله على شبه واحدة من عشيقات حبيبي/ كنت البكر بين أحفاد العائلتين/ بجديلة شقراء طويلة/ في بيت بلا شرفات/ بقيت الوحيدة العازبة/ بين الصديقات السمراوات/ كل هذه الوحدة يا الله/ أطاحت بها البلاد/ بجرة حرب واحدة/ وصرت أحار متى أرد/ إن نادوا علي/ بقتيلة أم بقاتلة”.

ثمة ثقل دلالي يساق ببساطة لغوية طافحة، الجملة الشعرية تتجه نحو الأسلوب السردي بكلمات موجزة حملت إسقاطات متعددة من حكايات الإنسان بكل أبعادها النفسية.

الجملة الشعرية تتجه نحو الأسلوب السردي بكلمات موجزة حملت إسقاطات متعددة من حكايات الإنسان

الخطاب اليومي

تتميز قصائد المجموعة بالبعد عن الوصف، والميل إلى إثارة الفكر لدى القارئ، ودفعه إلى إدراك المفارقات التي تنطوي عليها حياتنا، وإلى التحليل بعمق أكثر من مجرد التلذذ بإدراك الصورة. لذلك لا تنشغل القصيدة بإثارة ارتباط القارئ بالقصيدة بصرياً، أو بجمالياتها اللغوية التي تثير شهية الحواس -رغم أنها تميزت بجماليتها الحسية الخاصة- لكن تنشغل بتقديم صور تأملية تركز على الأصوات وتأثيراتها على الانسان “في الحرب/تتقاسمنا الطلقات، الصواريخ والقذائف../ لا نموت/ بل نتشظّى كزجاجات الخمر/ بينما تنتشي البلاد/ بما انزلق منا”.

استخدمت الشاعرة بشكل واسع الأنساق اللغوية المتصلة بالخطاب اليومي، وهو ما يولد حالة من الإحساس بأن الشاعرة تنطق بلغة بسيطة وواضحة ومألوفة، ألفة تستمدها من الواقع السوري المعيش منذ الخمس سنوات لتبدو القصيدة كأنها إعادة تدوين للواقع ضمن نسق شعري، غير أن هذا لا ينفي ما تمنحه القصيدة من استفزاز لحواس القارئ التأملية والتأويلية “ذات يوم رأوه يبكي/ وكانت دموعه أطفالا وبيوتا وذكريات/ شوهِد مرات عدّة/ مطرودا على أبواب سفارات أجنبية/ ضبط مرّة وهو يعبر الحدود/ متخفيا في ثياب ريح/ يُقال إنه استبدل اسمه/ برقم لدى منظمة إغاثة دولية/ ترددت أنباء عن العثور/على جثته مقطعة الأوصال/ ومازال حمقى يبحثون عن هذا المدعو/ وطنًا”.

القصيدة عند نسرين أكرم خوري تمازج للجمالية الفنية وقدرة الشاعرة على إعادة صياغة الواقع مستعينة باللغة في مطلق بساطتها، بساطة لا تترفع عن التسطيح وتذهب للعمق ضمن ما تمنحه القصيدة من أفق للمعاني المستندة أساسا لواقع الحرب والشتات والاغتراب النفسي.

قصائد الوجع السوري في جحيم الموت والدمار

ربما قد تبدو المواضيع المتناولة لتفاصيل الواقع السوري متداولة، ولكن ما يميز مجموعة “بجرة حرب واحدة” هو الرهافة الشعرية التي تتميز بها القصائد، حيث توزع الشاعرة ثقل هشاشتها الناتجة عن واقعها شعرا، دون الوقوع في الابتذال من حيث إدراج مشاعر القارئ لمنطقتها، هي فقط تضعه بضربة شعر واحدة في قلب الحرب وتدعه يُشاركها تفاصيلها، لذلك فإن النص عند نسرين أكرم خوري يتطلب أكثر من وجه للقراءة، وأكثر من زاوية للنظر، على الرغم من بساطته، فهو يتطلب قارئا حاذقاً، يرى المعنى ومعنى المعنى، ويغوص من خلال البنية السطحية للمستوى الكتابي للنص إلى البنية العميقة له، وإلى المعاني الثانوية في أعماق ذلك النص، أو خلف جدرانه.

الحرب والحب

الذات الشاعرة لم تتخذ موقفا محايدا مما يجري من أحداث ملتهبة في وطنها سوريا، لذا جاءت كل القصائد وفية لواقع الحرب غير أن ما يميزها ها هنا هو أن للحرب وجها آخر وهو الحب.

الشاعرة تواجه واقعها بالحب، الحب بتعدد أوجهه حتى من خلال تلك الصور المحفورة في ذاكرتها لتفاصيل الأمكنة والشوارع وتفاصيل البيت والناس.

تحضر المدن، في صورتها السابقة للحرب ويحضر الأصدقاء والمقهى واللقاءات ( قصيدة مقهى الفرح) ويحضر الحبيب بتفاصيله التي لا تنقطع “يغربلني الحب/ وأمر كلحن خفيف/ من فتحات مناخله المتدرجة /ي غ ر ب ل ن ي/ ولا يعلم أن غباري المتطاير/ كاف لتلقيح قلوب الأرض”.

تتكئ الشاعرة على الحب والشعر لتعيد خلق العوالم الخاصة والعامة “في طريق الحياة/ قطعت رؤوس الحكمة/ حتى وصلت إلى صداقة الله/ في طريق الشعر قطعت رؤوس المجاز/ حتى وصلت إلى كلمة ‘أحبكَ'”.

ما يجعل مجموعة “بجرة حرب واحد” مجموعة مميزة، هي قدرة الشاعرة على توظيف عناصر اللوحة بجزئياتها الدقيقة لخدمة الرؤية العامة للقصيدة من دون أن تضطر إلى الإخلال بالخلفية الواقعية للصورة الشعرية، إضافة إلى نزعة متعمدة لاتباع البساطة باعتبارها أسلوبا وليس تسخيفا لقدرة القارئ أو حتى الكتابة، الشاعرة أدركت أن اللغة قادرة على حمل الرمزية التي نريد لها أن تحمل، ولكن يجب أن نملك القدرة على إخضاع بسيطها لعمق المعنى.

14