بحثا عن القصيدة الرؤوفة

الأحد 2015/10/18
رسمة: بهرام حاجو

حين يتابع المرء مدوّنة القصيدة العربية المعاصرة وما تنجزه بإزاء ما يحدث لقارئها ومواطنها من فجائع واقتلاعات ومحو، فإن النتيجة ليست في صالح القصيدة ولا الشاعر. هناك سعي أدبي باتجاه مشاطرة الناس آلامهم لكنّهم لا يرون القصيدة في صفّهم، ولا الأدب رؤوفاً بجراحاتهم.

اللحظة المحتدمة الآن بلا شك مرعبة وقاسية، وعامرة بكل أشكال القسوة. والشاعر فيما يواجه التهميش والقمع المنتظمين لا يملك بوصلة لائقة لمقاربة المجهول الذي يحدّق بالإنسان العربي، بوجوده، وتاريخه، وذاكرته، ولون مستقبله. وفيما تخلّص الشعراء الجدد، على خلاف الشعراء الأوائل، من صنع أناشيد جديدة تهجو المحتلين والبغاة والباطشين، سواء كمنوا داخل الجغرافيا العربية أو خارجها، فإنه لم يتوصل بعد إلى وسائط فنية وجمالية يستطيع بواسطتها أن يندمج مع المواطن المغلوب في حربه الشرسة ضد شتى ألوان الدكتاتوريات لا السياسية فقط، ولكن عبر مواجهة الدكتاتوريات المتناسلة الأخرى التي تتلبّس الدين أو المذهب أو القبيلة أو الطائفة وتصبح طغمات تتجول وتقيم دولها، وتقتلع الناس لترميهم عبر البحار أو الحدود، أو تخضعهم لعيش يتواطأ مع الموت.

ورغم هذا الفصل الأسود من حياتنا، فإن الشعر باقٍ، لأن عليه تسجيل ملامح هذا الفصل، وتشريح الأرض الثقافية التي مهّدت لصعود كل هذا العنف والحقد المحتقنين، بل إن من شأن القصيدة أن تبدّل مدارسها وتتجاوز صراعات الشكل الشعري، ومناطحات الشعراء الباهتة لتخلق فضاء جديداً قادراً على الانغماس في مجرى الحياة اليومية للناس، وبعث ضوء في الصحراء المحدقة بهم، أو كما عبر فيكتور هيغو يوماً أن على الشاعر أن يضيء المشهد الإنساني ويقوده عبر الليل.

أسوأ ما يحدث في الشعرية العربية هو ضمور النسغ الاجتماعي في شرايينها، وتحوّل الشعراء عبر وسائل الإعلام الاجتماعي إلى التمحور حول فردانيتهم وتبادل شارات المديح والإطراء مع متابعيهم، وتراجعت الحوارات الخلاقة القادرة على إثراء مشهدنا الفكري والإبداعي. لا توجد تكتّلات شعرية على تويتر أو الفيسبوك أو اليوتيوب تكون مقاصدها المباشرة مخاطبة الذائقة الشعرية للناس، وتعميق تلقّيها، ومجادلتها، وأيضاً لا توجد تجمعات أدبية عربية لائقة تتواصل مع الناس المقتلعين من أرضهم، أو أولئك المهددين في أوطانهم، أو قادرة على التواصل مع الهيئات والمنظمات الثقافية العالمية للتقليل من الأذى الذي يحلّ بالناس والأرض والتاريخ.

لن يكون الشعر سوى لغة ومفردات ومجازات وصور واستدعاءات تراثية ورمزية وتاريخية ومكانية، وسيكون قدره الراسخ أن يصف خيبات العالم في لحظات تاريخية ما، هكذا وجد وهكذا سيبقى. المهمة الأصعب أمام الشاعر العربي هي كيف يقرأ الآن خيبة مواطنه والضباب الذي يتمترس حول مستقبله، دون أن ينحرف إلى هجاء الأعداء أو التربص بهم في يوم كان محسوباً، أو إلى تبخيس قيمة العربي أو إعلان وفاته، فكل هذه النصوص لم تنقذ أحداً وحسبها أنها أشارت فقط إلى الموت المتربّص.

أمام انحسار مساحة الشعر، يمكن للشعراء أن يواصلوا العمل مع منظمات واتحادات أدبية وفنية للفت أنظار الشعوب الأخرى للخراب الإنساني الذي يحلّ بمنطقتنا، هذا ما فعله الأدباء والفنانون والمفكرون خلال الامتحانات الكبرى التي مرّت بها مجتمعاتهم، فالألم الإنساني كان وسيبقى مشتركاً، إنها مهمة ينبغي للشعراء إعلانها ونشرها بكل الوسائل وبأقصى قدر من الفاعلية.

شاعر وكاتب من السعودية

13