بحثا عن المعتدلين

الأربعاء 2015/11/04

“لو أن الغرب لم يعثر على المعتدلين من بين أفراد الجماعات التي تقاتل على الأرض السورية، فهل سيقوم باختراعهم؟ وهل هو مضطر للقيام بذلك؟”.

شيء من ذلك القبيل يقع كل لحظة، من غير أن يصيبه النجاح. ذلك لأن الاعتدال ليس صناعة. لقد تم تصنيع التطرف ونجحت قوى مخابراتية عديدة حول العالم في ذلك.

غير أن الاعتدال هو شيء آخر. شيء يتطلب وجوده ثقافة، لا يمكن تزييفها بيسر. فكيف إذا كان البحث عن الاعتدال يجري في حيّز يطغى عليه طابع التشدد والمغالاة والتطرف وتصادم الهويات الطائفية.

لقد تم استدراج المتطرفين بكل هوسهم الديني إلى بقاع بعينها ليكون لهم دور في تمزيق النسيج الثقافي لمجتمعات، كانت إلى وقت قريب تتعايش مع تنوعها على أساس مبدأ التراضي.

وحين ظهر تنظيم داعش على الأراضي السورية كانت تقنيات صناعة الإرهاب قد وصلت إلى درجة متطورة، بحيث فاق ذلك التنظيم في قسوته وفنون أدائه الشرير التنظيمات الإرهابية التي سبقته وأهمها تنظيم القاعدة.

غير أن التركيز على الفارق في درجة الشر بين داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى إنما يعبّر عن عدم تقدير للظرف التاريخي الذي كان له الفضل في ظهور داعش، جماعة إرهابية، هي في حقيقتها خلاصة كل التجارب المختبرية التي سبقتها.

لذلك فإن تقديم الجماعات الدينية المسلحة الأقل قسوة من داعش باعتبارها جماعات معتدلة ينطوي على الكثير من خيانة الحقيقة.

فلو افترضنا جدلا أن داعش لم يظهر، فهل كان من الممكن أن يتم النظر إلى المئات من الجماعات المسلحة التي تقاتل في سوريا على أساس كونها جماعات معتدلة؟

قبل ظهور داعش تم وضع جبهة النصرة، وهي فرع من تنظيم القاعدة، على قائمة المنظمات الإرهابية. يومها لم يخف عدد من المعارضين السوريين (المعتدلين) استياءه من ذلك التصنيف الأميركي، معتبرين مقاتلي تلك الجماعة الإرهابية “أخوتنا في القضية”.

الآن في مواجهة الهجمة الروسية، غير المتوقعة (هل كانت كذلك حقا؟)، يستفيد الأميركان من طريقة النظر السورية المعارضة في تصنيف الملل والنحل ليتحدَّوْا روسيا بوجود معارضين معتدلين، هم الضحايا المحتملون لقصفها الجوي.

كانت هناك شحنة مساعدات أميركية قد وصلت إلى المعتدلين، بالرغم من أن الطيران الروسي كان يمسح الأجواء السورية بطلعاته. ألا تبدو روسيا غير مستاءة من تسليح أعدائها على الأرض؟

روسيا في حاجة إليهم مسلحين. يهم روسيا، كما يهم الولايات المتحدة، أن يكون الطرف الآخر مسلحا. أما حديث الاعتدال فهو مناسبة لتمرير الوقت. فلو كانت الولايات المتحدة حريصة على حياة المعتدلين لما سلّحتهم من خلال تركيا وبتمويل قطري.

صحيح أن السوريين لعبوا دورا كبيرا في تهيئة الرأي العام لتقبل فكرة تسليح الفكرة، غير أن الفكرة نفسها وإن بدأت إخوانية النهج فإنها كانت مطلوبة أميركيا، وهو ما تبناه مؤتمر إسطنبول، يوم تداعت قوى المعارضة السورية من أجل وضع البصمات على خارطة طريق، ستقود في ما بعد سوريا إلى المتاهة.

هل كان الزبائن في إسطنبول معتدلين؟ أشك في ذلك. ما من معارضة معتدلة تدعو إلى قصف بلادها.

كان ثمن إسقاط نظام البعث في العراق أن ذهبت الدولة إلى العدم. فهل يُعقل أن المعتدلين السوريين لم يتعلموا شيئا من درس العراق؟

يعرف السوريون جيّدا أن معتدلي معارضتهم التي تعمل على الأرض هم الأقل بشاعة من داعش. كما لو أن داعش صار مقياسا للشر. وهو ما يدفع بهم إلى مزيد من الشعور بالأسى.

ما يحاول الغرب ممثلا بالولايات المتحدة أن يفرضه على السوريين من جماعات مسلحة بذريعة الاعتدال، هو في حقيقته غطاء زائف لثورة سُرقت وضاع عنوانها.

كاتب عراقي

8