بحثا عن لغة جديدة

الأحد 2017/01/15

مرت ربما أكثر من خمس سنوات منذ أن بدأت الكتابة على الفيسبوك بشكل متواصل، ومن دون توقف تقريبا.

وما جذبني إلى هذا المنبر، ولنسمّه كذلك عدة أسباب: هو منبر حر تستطيع أن تقول فيه ما تشاء تقريبا. وليس فيه رئيس تحرير يطلب منك أن تراعي سياسة الجريدة أو المجلة، وحساسيات ما.

ومعه أنت تكتب وتتلقى رد الفعل على كتابتك فورا من دون انتظار أيام أو أسابيع. أيضا تستطيع أن تكون حرا في استخدام اللغة التي تشاء؛ فصحى أو عامية أو هي خليط بينهما.

هكذا بدا لي الفيسبوك مكانا مثاليا للتعبير الفوري والتلقائي عن نفسي بشكل شامل. مكان لممارسة حرية الكتابة والتعبير وحتى حرية التنكيت والتهريج.

كان هذا من خمس أو ست سنوات عندما كان الفيسبوك لا يزال يعتبر منبرا قليل الشأن خاصا بالتواصل الاجتماعي أو بطقّ الحنك أو مكانا لتضع النساء صورهن للتباهي أو استعراض مهارتهن في الطبخ وكنا نشاهد صورا لأكلات بينها خراف مشوية أو حمامات محشية.

الآن تغير الوضع تماما وأخذت بعض الدول تنتبه إلى خطورة هذا المنبر وتسن القوانين لمعاقبة من يخرجون عمّا تراه محظوراً نشره. وما يمكن أن يكون حضاً على الكراهية أو عملاً من أعمال التحريض. وقد قامت إسرائيل مؤخرا بسن قوانين لحجب مواقع أو معاقبة من تعتبرهم محرضين.

هكذا لم يعد الفيسبوك مكانا لطقّ الحنك، ولكنه بات منبرا يمكن أن يكون ثوريا أو محرضا. ومعروف أن تنظيم داعش استخدمه على نطاق واسع جدا لتجنيد الأعضاء. مع ذلك ورغم ارتفاع مكانة الفيس إلا أن جمهوره وأسمّيهم (الفسابكة) لا يزالون في غالبيتهم العظمى يشبهون جمهور البرنامج الغنائي آراب أيدول؛ جمهور شعبي يميل إلى اللهو والترفيه.

أما المثقفون فمعظمهم يعزفون عن التعاطي مع الفيس باعتباره مكانا لا يليق بمكانتهم. والذين يستخدمونه يفعلون ذلك لترويج كتبهم أو أخبار نشاطاتهم الثقافية.

خلال تجربتي حاولت أن أبلور لغة أخرى للفيس باعتباره منبرا ذا خصوصية. والحقيقة أنه ما كان لي أن أضيف كثيرا على ما فعله روائيون وقاصون، وخاصة أولئك الذين خلطوا العامية بالفصحى.

وأقول بأنني من محبّذي تطعيم الفصحى بقدر محسوب من العامية، لاعتقادي بأن هذا يضفي نكهة ومصداقية على الكتابة. هذا ما فعله روائيون وقاصون مصريون مهمون كيوسف إدريس وخيري شلبي.

لطالما اعتقدت، وفي وقت مبكر، أن الفيسبوك سيكون منبر المستقبل، وقد استغرب كثيرون اعتقادي هذا.

لا أزال أقول ذلك، ولعله بات كذلك بالفعل.

***

كم يلزم المبدعين العرب من الزمن ليستوعبوا الأحداث التراجيدية المروّعة التي حدثت في السنوات الست السابقة ليعبروا عنها إبداعيا، وخاصة الروائيين العرب على اعتبار أن الرواية هي الشكل الأنسب للتعبير عن هكذا أحداث وصفتها بالتراجيدية وهي أقل ما يمكن أن توصف به حيث لم أجد تعبيرا أفضل منه.

والحقيقة هي أنه ما من إنسان، مهما كانت مخيلته جامحة كان قادرا على أن يتخيل أو يتنبأ، حتى بعُشر ما حدث في سوريا، العراق، ليبيا واليمن. أما تونس فكانت الناجية الوحيدة إلى حد ما.

إذن، كم يلزمنا من السنين وكم رواية يمكن أن تخرج من هذه التراجيديا المروّعة، والتي يمكن مقاربتها مع الأحداث التي وقعت خلال حروب عالمية سابقة.

وهي أحداث لا تزال تقع ولا أظن أن هناك من هو قادر على التنبؤ بنهايتها، رغم ما يقال من أن الأطراف المتطاحنة قد أصابها الإنهاك.

هذه أحداث لا تستنفد فكل لاجئ سوري، مثلا، له روايته التي تستحق أن تروى.

كل طفل سوري أو عراقي أو يمني له رواية تستحق أن تروى أمامنا، إن، منجم من الماسي لن ينفذ ولو بعد مئة عام.

لكن، وعودة إلى السؤال الأول “متى”؟ لا أعرف.

ربما يلزمنا عقد أو عقدان لنتحرر من هذا السؤال.

كاتب من فلسطين مقيم في الأردن

11