بحر الكويت المريض يتقيأ أسماكه على الشاطئ

كأن البحر يعاقب الإنسان عما يفعله به من تلوث، فيلفظ سمكه النافق على الشاطئ ليكون دليلا على كميات القمامة ومياه الصرف الصحي التي ترمى به، ذلك ما وقع في شواطئ الكويت خلال الفترة الأخيرة إذ تقيأ البحر كميات هائلة من السمك النافق الذي قد يكون خطرا يحدق بالكويتيين إذا ما استهلكوه بالخطأ أو تركوه يتعفن على الشاطئ.
السبت 2017/04/29
حملة نظافة متأخرة

الكويت - قرع نفوق الأسماك على شواطئ الكويت أجراس الإنذار، وسط مخاوف من نسبة التلوث المرتفعة، التي أكدتها جهات حكومية، في بلد يعتمد بنحو 95 بالمئة من مياه الشرب فيه على محطات التحلية.

مشهد الأسماك النافقة الذي انتشر عبر فيديوهات تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي، على شواطئ العاصمة، وجد ردود فعل بارزة أظهرت حجم الأضرار الكبيرة التي تضرب البيئة البحرية الكويتية.

وقام عمال البلدية بجمع كميات كبيرة من الأسماك النافقة من سواحل الكويت. وكانت جماعة الخط الأخضر قد رصدت كميات كبيرة من الأسماك النافقة على السواحل، مشيرة إلى أنها تؤكد وجود أسباب بيئية خطيرة أكبر مما ذكر عن أنها من مخلفات الصيادين.

ورفعت الحملة الوطنية لحماية جون الكويت طنا ونصف الطن من الأسماك النافقة من شاطئ الصليبخات خلال الأسبوع الماضي، في إطار استكمال تنظيف شواطئ الجون التي تنتشر عليها أسماك “الجم” النافقة، بعد أن تسببت في روائح كريهة، وقد تترتب عليها أضرار صحية وبيئية جمة.

وشدد خبراء على ضرورة رفع السمك النافق من البحر بسرعة لكي لا تنتقل العدوى إلى الأسماك الحية وذلك من خلال تنظيف الجون من الجيف الطافية على سطحه.

أستاذ الكيمياء العضوية بجامعة الكويت حمد المطر، قال عبر حسابه بموقع تويتر، مرفقا ذلك بالفيديو المتداول “جريمة في حق ثروات الكويت تقع الآن بشواطئنا من نفوق غير مسبوق أمام تجاهل حكومي وصمت رقابي، آلاف الأطنان من السمك النافق؟ أين أنتم يا نواب؟”.

التحاليل المخبرية أظهرت وجود مياه صرف غير معالجة أدت إلى وجود ملوثات بيولوجية تفوق المسموح به بـ23 ضعفا

وأضاف “سبق أن صرحت عن تلوث البحر ونفوق السمك فحركت الحكومة ضدي قضية، والجريمة التي تحدث الآن في بحرنا تحتاج إلى وقفة من المجلس (البرلمان) وبشكل عاجل جدا”.

من جانبها قالت الهيئة العامة للبيئة (حكومية) في بيان لها، إن “ارتفاع الملوثات الصادرة عن مخارج الأمطار ساهم في زيادة المغذيات بمنطقة الجون وازدهار الطحالب البحرية بأنواعها”.

وأضافت أن “التحاليل المخبرية أظهرت وجود مياه صرف غير معالجة أدت إلى وجود ملوثات بيولوجية تفوق الحدود المسموح بها بـ23 ضعفا مصاحبة للمياه المتدفقة من المخارج المختلفة وأدت إلى ازدياد المغذيات في البحر وازدهار الهوائم النباتية الضارة التي تم رصدها”.

وأوضحت أن “القياسات بينت أن نسبة الهوائم النباتية الضارة المسجلة في الجون (جون الكويت قطعة ضحلة من المياه داخل اليابسة تقع في وسط الشريط الساحلي شمال العاصمة) بلغت أضعاف النسب الطبيعية، وشهدت ارتفاعاً واضحاً بمعدلات الفوسفات والمواد العالقة الكلية والسلكيات والمواد الهيدروكربونية البترولية الكلية”.

وأعلن وكيل وزارة الكهرباء والماء محمد بوشهري عن “تشكيل لجنة للتحقيق في مدى تلوث مياه التحلية الخارجة من إحدى المحطات، وما أثير حول كونها جزءاً من أسباب نفوق الأسماك حالياً”.

ودشن رئيس الحملة الوطنية لحماية جون الكويت عبدالعزيز الشطي، المرحلة الثانية من الحملة الأربعاء، برفع ما يقارب 4.5 أطنان من الأسماك النافقة من شاطئ عشيرج والدوحة، بمشاركة الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية، وإدارة الرقابة البحرية للقطاع الأوسط.

مخاطر سببها الإنسان

عزوف عن شراء السمك

ازدادت مخاوف المواطنين والمقيمين على حد سواء من خطر الأسماك التي قد تكون نافقة وتباع في الأسواق ومن مضارها الصحية عليهم وعلى أطفالهم، وتأثرت

حركة أسواق السمك بسبب المخاوف من التلوث.

وقال باعة السمك أن ريبة وتردد المواطنين أثرا على نشاطهم التجاري مطالبين الحكومة والجهات المعنية بتوضيح الصورة حتى لا يقع المستهلكون في حالة من الشك والحيرة وما ينتج عن ذلك من تأثيرات سلبية وارتفاع أسعار بعض السلع الأخرى.

ويقول المواطن عباس أحمد إن المستهلك الآن في حيرة بسبب مخاطر هذا التلوث، مطالبا الجهات الصحية بتوضيح مدى هذه المخاطر حفاظا على صحة المواطنين وذلك بدلا من أن يعيش الناس في حالة بلبلة وشك وخوف، خاصة وأن الكويتيين يفضلون وجبة السمك.

وطمأن مدير عام الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية المهندس فيصل الحساوي المواطنين بأن ظاهرة السمك النافق في الوقت الراهن محصورة في مناطق محدودة لا يُمارس فيها الصيد، وعليه فإنه لا يتم تداول الأسماك النافقة بالأسواق، مشددا على أنه يتم تشديد الرقابة الساحلية وفي مناطق الأسواق، لمنع تسرب تلك الأسماك إن وُجدت إلى موائد المواطنين.

ويقول مواطن فضل عدم ذكر اسمه “هناك عملية خلط بين الأسماك الطازجة والمتعفنة في ظل غياب الرقابة، ولكن المستهلك يستطيع التمييز بينها بالضغط على السمك، وفي حالة صدور رائحة كريهة فإن ذلك يدل على أنها فاسدة، كما أن تطاير القشور وتغير لون السمكة يدل على عدم صلاحيتها”.

ويؤكد العديد من المواطنين أن السمك طعامهم المفضل، لكن يبقى الفساد جدارا من الخوف بينهم وبين أن يهنأوا بوجبة جيدة، مشيرين إلى أن ظاهرة السمك الفاسد انتشرت في الأسواق.

ويلجأ بعض الباعة إلى اتباع أساليب الغش وبيع أسماك فاسدة إلى المستهلك الذي لا يمكنه اكتشاف فسادها بسهولة وهو ما يتسبب في العديد من المشاكل الصحية للمستهلك.

ويؤكد خبراء الصحة أن السمكة النافقة تشكل خطورة على الصحة، لأنه حتى لو تم طهو السمكة تظل تلك البكتريا السامة خطيرة، وهو ما يؤثر سلبا على الجهاز الهضمي والمعدة كما يؤدي إلى أضرار كبيرة في الكبد والكلى بل وربما يؤدي إلى تلف خلايا الدماغ.ويؤكد اتحاد الصيادين على مد يد العون إلى جميع المستهلكين في حال استغلالهم، أو استخدام بعض بائعي الأسماك طرق الغش المختلفة معهم وبيعهم أسماكا فاسدة، حيث يقوم الاتحاد بنقل جميع شكاواهم وعرضها على الجهات المختصة والمسؤولة، أو توجيههم إلى استخدام الإجراءات القانونية بحق كل من تسول له نفسه التسبب في ضرر المستهلك.

مخاطر سببها الإنسان

تراجع الثروة السمكية

أكد الباحث في مشروع “برنامج إدارة الموارد البحرية القائمة على النظام البيئي”، (حكومي) علي الباز على الانخفاض الكبير في الكثير من أنواع الأسماك.

وتابع الباز إن “أسماك الزبيدي تراجعت بنسبة 95 بالمئة، وأعدادها كانت في سنة 1995 نحو 1100 طن لكن انخفضت إلى 120 طناً في عام 2014”.

وأعلن رئيس اتحاد الصيادين ظاهر الصويان أن أسماك الزبيدي والميد الكويتي «لن تشاهد على المائدة الكويتية في شهر رمضان المقبل»، متوقعا أن تكون أسعارها «خارج نطاق التغطية، وأن يتم إغلاق عدد من بسطات سوق السمك المحلي”.

وأرجع تناقص مخزون الثروة السمكية خلال السنوات الثلاث الماضية، إلى قلة الأسماك الوافدة من الجهة الشمالية للخليج العربي، أي من دول الجوار، سواء إيران أو العراق، «وبكل أسف فإن مثل هذه الدول لا تلتزم بفترات حظر صيد الأسماك، بدليل أنه لدى حظر صيد الزبيدي والروبيان عندنا نجده يأتينا من هذه الدول، لأنه لا يوجد تطبيق لقانون حظر الصيد عندها، بتعلة عدم امتلاك دوريات خفر سواحل لحماية الثروة السمكية، وكم من مرة تم ضبط اختراق لنجات من هذه الدول لمياهنا الإقليمية للصيد فيها؟!».

وقال إن «أغلب الأسماك موسمية تأتي من الجوار، فنجد أن الزبيدي يأتي من المحيط الهندي وإيران، وإذا كانت هناك دول بعينها تغلق عليك الطريق بوضع شباك في البحر والصيد قبل وصوله إلينا، فكيف سيأتي السمك الموسمي إلينا؟”

ولفت إلى أن أسطول الدول المجاورة من السفن تزايد بشكل كبير، ورفع العراق وإيران حجم أسطوليهما بواقع 3 أضعاف، ما تسبب في تراجع إنتاج الثروة السمكية في الكويت.

وقال الباز “إن سمك الصبور انخفض بالنسبة ذاتها حيث كان يرصد في العام 1995 نحو ألف طن سنوياً حتى وصل إلى 150 طناً في 2014”.

وأرجع السبب في انهيار المخزون السمكي إلى “الصيد الجائر والجانبي وتدمير موائل الأسماك”.

وقال الباز إن السبب الثاني هو “العوامل البيئية كازدياد الملوحة في شمال الخليج العربي وانخفاض المنسوب في مصبات الأنهار نتيجة بناء السدود في نهري دجلة والفرات وارتفاع درجات حرارة المياه وغيرهما من الأسباب الطبيعية”.

ويبلغ عدد سكان الكويت 4.4 مليون نسمة منهم 1.3 مليون مواطن و3.1 مليون وافد.

20