بخصوص مشروعية اليسار العربي

الاثنين 2015/06/15

لم تقدم تنظيمات “اليسار” في البلدان العربية نقدا سياسيا للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في بلدانها، إلا في حالات نادرة، أغلبها جاء من شخصيات يسارية مستقلة أو منشقة، ضمنها إلياس مرقص وياسين الحافظ وعبدالله العروي وفؤاد مرسي وجورج طرابيشي ومهدي عامل، على سبيل المثال. وقد آخذ هؤلاء على هذه التنظيمات تحولها إلى مجرد أشكال أيديولوجية جامدة، أو مجرد صدى للاتحاد السوفيتي (السابق)، سيما أنها لم تقدم أي إضافة إلى الماركسية اللينينية، وحتى أنها لم تشتغل على “توطين” هذه النظرية في البيئة العربية، فضلا عن عدم إيمانها بالديمقراطية والحرية، وهو المأخذ ذاته الذي آخذته حنا آرندت على الماركسية.

أهم نقد لهذه التنظيمات هو أنها حولت الماركسية اللينينية، من كونها نظرية في المعرفة للطبيعة والعالم والمجتمع ونظرية للثورة والتغيير، إلى أيديولوجية مغلقة، بل إلى دين آخر يتأسس على الإيمان والامتثال، لا على الدراسة والشك وإمعان التفكير والتمرد وتوخي الحرية والمساواة والعدالة.

ولعل مركز المشكلة في هذه الأحزاب أو التنظيمات، ينبع من قيامها على ادعاءات سياسية، وليس على الواقع الاجتماعي السائد، مع علمنا أن المجتمعات المعنية لم تصل بعد إلى المستوى اللازم من التطور الطبقي، وأن الطبقة العاملة (البروليتاريا) مجرد طبقة “أقلية” في المجتمع، والأهم أن المجتمعات العربية، منقسمة على نفسها عموديا، على أسس هوياتية دينية أو مذهبية أو عشائرية، بدل الانقسام بشكل أفقي، على المصالح والسياسات.

المفارقة أن إدراك هذه الحقائق سهل وبسيط. فحسب معطيات التقرير الاقتصادي العربي (2014)، فإن نسبة العاملين في الصناعة في العالم العربي تبلغ حوالي 17 بالمئة فقط من حجم القوى العاملة، وهذا يعني أن “البروليتاريا” لا تشكل أكثرية بين الطبقة العاملة، حيث العاملين في قطاعات الخدمات يشكلون النسبة الأكبر (61 بالمئة)، ناهيك أن معظم العمالة العربية لا ترتبط بالصناعات العالية أي ليست مرتبطة بالتقدم العلمي والتكنولوجي.

أما في السياسة فثمة ثلاث مشكلات كبيرة في النظرية “اللينينية” المعتمدة عند “اليسار”، وكلها تمخّضت عن كوارث، أولها، دكتاتورية البروليتاريا التي شرّعت اختزال الشعب في طبقة ثم في حزب، وبعدها في مكتب سياسي أو أمين عام، وكانت بمثابة وصفة لمصادرة الحريات الفردية وسيادة الاستبداد. وثبوت خطأ هذه النظرية لا يقتصر عما تمخّضت عنه في الممارسة السياسية فقط لجهة محاباة نظم الاستبداد، بدعوى مقاومة الإمبريالية وإسرائيل، وإنما لأنها غير شرعية أخلاقيا وقانونيا، ولأنها تصادر المجتمع وتحكمه بواسطة الحزب الواحد وأجهزة المخابرات ووسائل التعبئة والدعاية.

وثاني هذه الأفكار تتمثّل بالانتقال إلى الاشتراكية، ولو في أكثر الحلقات الرأسمالية تخلفا، عكس فكرة ماركس الأساسية عن قيام الاشتراكية في أكثر البلدان الرأسمالية تقدما، وهذه الفكرة التي تحرق المراحل لم تثبت أيضا بدليل تأخّر الاتحاد السوفيتي في المباراة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية. الفكرة الثالثة فتقول بعدم جواز الانتقال إلى مرحلة الثورة الاشتراكية دون المرور بمرحلة الثورة البرجوازية الديمقراطية.

المشكلة إذن تكمن في هذا النوع من اليسار الأيديولوجي المحافظ، الذي فقد هويته وقضيته وبيئته المجتمعية، رغم كل ادعاءات مقاومة إسرائيل وصدّ الهيمنة الإمبريالية والنيوليبرالية. ومشكلة هذا اليسار أيضا، أنه تحول إلى طائفة أو جماعة هوياتية مغلقة، مثلها مثل الجماعات الأخرى، وأنه يداهن نظم الاستبداد والفساد التي هيمنت على البلاد والعباد منذ عقود.

هل فقد اليسار عندنا مشروعيته؟ الجواب لا، إذ أن اليسار يستمد مشروعيته من مركزية قضية العدالة الاجتماعية في بلادنا، سيما في مواجهة التحديات التي تطرحها الليبرالية المتوحشة، على ألا توضع في مواجهة الحرية والديمقراطية وإنما بالتكامل معهما.

كاتب سياسي فلسطيني

8