بخلاء الجاحظ.. درس في المنطق وتهكّم عليه

رائعة ابن البصرة الذي انتبه إلى التفاصيل ولا شيء غير التفاصيل.
السبت 2021/02/27
الجاحظ في مغامرة أدبية لا تحمد عقباها.. إنه شيطان الأدب (بورتريه للرسام خالد جلل)

لم يكن البخلاء في كتاب الجاحظ إلا ذريعة للاستعراض في فنون المنطق، ولا يزال الكتاب نبعا تنهل منه الدراما البشرية منذ العصر العباسي، ولا يزال النقاد والدارسون يختلفون حول الجاحظ تلميذ أبي إسحاق النظام، المعتزلي، الذي ذهب بالمنطق نحو أقصاه، ثم دجّنه وعرّبه حتى أمسى يمشي على قدميه في أسواق البصرة.

أبوعثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة 780، من لا يعرف هذا الرجل، الذي كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبات فيها محتضنا الكتب والصحائف حتى انهارت فوقه ذات ليلة فأصابته بفالج لا يُعالج، ومات شهيدا تحت رُكام الأسفار كما أشيع.

البلاغة هي الاختصار

موليير مشى على خطى البخلاء لكن الجاحظ كان أكثر عمقا

سخر من كل شيء ـ حتى من نفسه وغرابة شكله في نظر الآخرين ـ حتى أن امرأة قد أخذت بيده واقتادته إلى صائغ في السوق ثم قالت لصاحب المحل: ارسم على خاتمي هذا الوجه. قال الصائغ: لم أفهم؟ قالت: هذا هو الشيطان الذي طلبت منك نقشه على خاتمي.

من روى الحادثة كان الجاحظ، ولا أحد يقدر على السخرية من نفسه غير الجاحظ.. هل رأيتم واحدا سواه يستبق الجميع إلى السخرية من نفسه، ويجعلها هدفا ومرمى في خضم لعبة أدبية آسرة؟

إنه الجاحظ أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، رسام الكاريكاتير بالكلمات، ورائد فن المسوخ الذي لم يسبقه إليه أحد.

فصل الشعر عن النثر كما يفصل اللحم عن العظم، وحرر الكتابة العربية من كل مفردات البديع والفصاحة الزائدة عن اللزوم، وقال إن البلاغة هي الاختصار.. وإذا كان للعرب من أديب يتباهون به بين محافل الأدباء في العصر العباسي وما جاء بعده فهو الجاحظ.

رد على الشعوبية الفارسية التي حاولت تقزيم العرب والانتقاص من شأنهم في ظرف اعتقدوا فيه أنهم انتصروا فكريا وانهزموا عسكريا، وأبرز قيمة أخلاقية لم يعرفها الفرس ولم يعهدوها، ألا وهي الكرم.

كتاب يثير الضحك لكنه لا يمزح، يدعو للتأمل والإعجاب ومدهش عند كل جملة

الكرماء لا يحتاجون إلى مؤلفات ومصنفات في مدح صفاتهم، لكن الأضداد بالأضداد تُعرف، لذلك ألّف “البخلاء” وسلّط غضبه على سكان “مرو”، الإقليم الفارسي الذي لم ينج إلى الآن من لعنة الجاحظ، كما لم تنج أيرلندا البريطانية من نكات الإنجليز واتهامهم لها بالبخل.

وفي هذا الصدد كتب الجاحظ “كنت في منزل ابن أبي كريمة، وأصله من مرو، فرآني أتوضأ من كوز خزف، فقال: سبحان الله! تتوضأ بالعذب، والبئر لك معرضة؟ قلت: ليس بعذب، إنما هو من ماء البئر. قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة. فلم أدر كيف أتخلص منه”.

لم تنج من لسان الجاحظ حتى الحيوانات والطيور ـ وتلك قدرة هائلة يندهش إليها الجميع ـ إذ كتب فيما كتبه في “البخلاء”: ومن قصص أهل خراسان أيضاً، لم أر الديك في بلدة قط إلا وهو لافظ، يأخذ الحبة بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإني رأيتها، تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب. فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد وفي جواهر الماء، فمن ثم عم جميع حيوانهم”.

لا تخلو منطقة في العالم من هذه الشبهة في التنكر والتفكه، ذلك أن البخل حالة نافرة، هوجاء وغريبة الأطوار ومثيرة للسخرية، على اعتبار أن الإنسان ميال بالطبع والغريزة إلى الكرم كوسيلة تواصل اجتماعي، أما البخل فحالة نافرة وتثير الضحك والاشمئزاز.. وإلا لماذا يؤلف الفرنسي موليير مسرحية “البخيل” ولم يؤلف “الكريم”؟

قول نعم يصرف النعم

عبدالفتاح كيليطو: ظاهر الكتاب يصب في قدح البخلاء وباطنه يصب في مدحهم

الجاحظ لم يكن متحاملا ضد الفرس إلى هذا الحد بل أدلى بدلوه في عالم البخلاء إلى الحد الذي لم يسلم من قلمه كبير فلاسفة العرب، وهو الكندي، الذي خصص له فصلا في كتابه سماه “شروط الكندي على سكان بيته”، وفيه يشترط على المستأجر عدم الكثرة من استعمال الأدراج خشية أن تهترئ. وأفرد الجاحظ له بابا كان غاية في الرشاقة اللغوية، حيث يقول فيلسوف العرب ناصحا ابنه “يا بني، الأب ربّ والأخ فخّ والعمّ غمّ والخال وبال، والأقارب عقارب، وقول لا، يزيل البلاء، وقل نعم، يصرف النعم”.

نكتشف هنا أنّ أبا عثمان لم يكن عنصريا شعوبيا متحاملا ضد الفرس، بل سرعان ما يجد الذريعة اللغوية والمنطقية لفضح البخلاء.. لا بل كان يستعرض مهاراته اللغوية وتبريراته المنطقية التي لا يُشق لها غبار.

بخلاء الجاحظ كانوا يتقشفون في كل شيء، بما في ذلك اللغة ـ وتلك نظرية الجاحظ في اعتقاده بأن البلاغة هي الإيجاز ـ هل رأيتم أديبا أكثر ذكاء ودهاء وتدفقا من هذا البصري الذي جاور الشواطئ واشتغل في بيع الأسماك ثم تعلم منها السباحة دون غرق.

وفي هذا الصدد، يرى الكاتب عبدالفتاح كيليطو، أن ظاهر كتاب البخلاء أنه يصب في قدحهم، ولكن باطنه يصبّ في مدح خصالهم الأخرى، التي لا يراها عامة الناس، مشيرًا إلى أن البشر عادة تحبذ الكرم وترفض البخل، لهذا سوف تفهم أن كتابًا بهذا المضمون لابد أنه في ذمّ البخل.

ويضيف كيليطو، بأن الجاحظ نفسه في المقدمة “يبدو كما لو أنه يقدح في البخلاء ويهاجمهم، حين قال إن البخيل لا يفطن لظاهر قبحه وشناعة اسمه وخمول ذكره وسوء أثره على أهله.

غير أنه الجاحظ نفسه سرعان ما – وبحسب كيليطو – يضيف أن البخيل يحتج “لذلك بالمعاني الشداد وبالألفاظ الحسان وجودة الاختصار وبتقريب المعنى وبسهولة المخرج وإصابة الموضع”.

الجاحظ رجل يتأمل في كل شيء، لغة وبيانا وإعجازا. ألّف في “البيان والتبيين” فقال إن خطأ منشورا خير من صواب مهجور، وذهب في رسالة “التربيع والتدوير” إلى أن اللغة ملهاة، ثم انتهى إلى أن الحيوان يعلّم العاقل ما لا يعرفه العاقل في محاكاة مدهشة لكتاب أرسطو، وهو المعتزلي الذي نهل من فكر الإغريق حتى كاد أن يتهم بالزندقة في عصره.

شيطان الأدب

ما عساه يقول السياب الذي مات متوجعا لمفكّر معتزليّ مات تحت ركام الكتب؟
ما عساه يقول السياب الذي مات متوجعا لمفكّر معتزليّ مات تحت ركام الكتب؟

لم يكن البخلاء في كتاب الجاحظ إلا ذريعة للاستعراض في فنون المنطق وآدابه بل وربما سخرية من المنطق، وذلك كما ورد على لسان زبيدة بن خلف، وهو يعاتب خادمه كيف جاءه بديك مشوي دون رأس “أين رأس الديك، والرأس رئيس الأعضاء، ومنه يصيح الديك، وفيه العين التي يضرب بها المثل في الصفاء فيقال شراب كعين الديك.. لا تقل إني رميته، لقد رميته في بطنك أيها اللعين”.

ماذا يفعل رجل برأس ديك غير الانحياز للفصاحة اللغوية واللعب بالمنطق؟ ألا يذكر هذا بالنكت الحديثة التي تقول إحداها بأن شخصا سأل أحد أقاربه البسطاء يريد أن يعلمه المنطق بقوله “هل لديكم كلب؟” أجاب الثاني بـ”لا” فقال له بأن بيتكم صغير لا يتسع لحديقة تضم كلبا، وعليه فإن أمك لا تنشغل بشؤون البيت ثم خلص إلى
أنها ـ وعلى الأرجح ـ تخون أباه.

ويبدو أن ثمة صلة بين تدبير المال والبخل وتدبير المعاني من معنى آخر، وفي البلاغة فإن شحّ المفردات وتوظيفها المقتر يعني ببساطة غاية الحكمة و”خير الكلام ما قل ودل”، كما يقال.

الجاحظ يذهب بالأشياء نحو أقصاها، ويستحلب اللغة ويتجرأ على المنطق في مغامرة أدبية لا تحمد عقباها.. إنه شيطان الأدب، وقد تصدّق المرأة التي أخذت بيده في السوق صوب الصائغ طالبة منه أن ينقش على الخاتم شيطانا في صورة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.

إذا كان للكتابة الساخرة من رجلين في تاريخ الأدب العباسي فهما الجاحظ وابن الرومي، الأول حرر النثر من الشعر، والثاني حرر الشعر من النثر.

في البصرة العراقية تمثالين لشخصين متميزين جمع بينهما التاريخ الحديث والتاريخ المعاصر في مقاربة غريبة لكنها تبدو منطقية. ماذا لو هرب بدر شاكر السياب، التمثال، بجلده ولحمه وعظمه  البرونزي من تلك الحرب السريالية، واحتمى في ملجأ آمن ملتقيا  بتمثال ابن بلدته، “أبوعثمان عمرو بن بحر الجاحظ”، ما عسا أن يكون الحوار بين صاحبي الوجهين النحيفين الغريبين المميّزين، بين صاحب “المومس العمياء” و”جينكور” و”يا عراق” وصاحب “البيان والتبيين” و”البخلاء  “و”التربيع والتدوير”؟

السيّاب الذي قرّب الشعر إلى النثر، والجاحظ الذي حرّر النثر من الشعر. ما عسا أن يقول شاعر حزين مات تحت الوجع والسّيروم لمفكّر معتزليّ مات تحت ركام الكتب وهو مفلوج؟.. وما الكتاب السّميك الثقيل الذي سقط فوق الجاحظ فقضى عليه.. لعلّه كتاب معاصر.. من يدري؟

يسري عبدالغني: الضحك عند الجاحظ يمتزج بالأسى ويكشف عن ضعف الإنسان

كانت هذه فكرة نصّ مسرحي حامت في ذهني آنذاك ثمّ أودعتها أجلا غير مسمّى مثل كلّ فكرة تهمس بها فرشاة الأسنان إلى اللسان كلّ صباح.

“البخلاء” كتاب يثير الضحك لكنه لا يمزح، يدعو للتأمل والإعجاب الشديد برجل شديد الفطنة، حاد الذكاء، ومدهش عند كل جملة. قال أحد المستشرقين: إذا كان للعرب أن يفخروا بأديب من لحمهم وشحمهم فهو الجاحظ.. ولا أحد سوى الجاحظ.

يكشف هذا القول النقاب على أن العرب قد تفطنوا إلى الفكر اليوناني منذ ما قبل المأمون وتأسيس “بيت الحكمة” وسار كتاب كثيرون منهم على هذا إلى أن أعماهم الفكر الظلامي وأدعياؤه التكفيريون.

لا يزال كتاب “البخلاء” نبعا تنهل منه الدراما البشرية منذ العصر العباسي، إلى درجة أن بديع الزمان الهمذاني، واضع المقامات قد خصص له بابا سماه بـ”المقامة الجاحظية” في تكريم لهذا الرجل العربي من كاتب فارسي الأصل.

ولا يزال النقاد والدارسون يختلفون حول بخلاء الجاحظ بين قسم حجاجي استدلالي يسير فيه البخيل وفق استراتيجية متناسقة ومتماسكة تبدأ من المقدمات لتصل تدريجيا ومنطقيا إلى النتيجة. وبين قسم قصصي يتميز بطابع السرد والتجريب من أجل تصوير حياة البخيل بين الناس عمليّا: سلوكه (أفعال وردود أفعاله) نفسيّته وصراعه الباطن والظهر بين دواعي المذهب (الجمع والمنع) ومتطلبات الاندماج مع الآخرين (الجود والإنفاق)، كما تصور طرق تعامله مع المال وتصرفاته على مائدة الطعام، وهذان القسمان يمثلان العلاقة ما بين النظرية والتطبيق، حسب قول أحد النقاد.

الجاحظ حيّر النقاد والدارسين من بعده، فهل هو يمتدح في كتابه البخلاء أم يذمهم، لكن الحقيقة تشير إلى أن كل ما كتبه لا يعدو أن يكون ذريعة لقول شيء آخر.. إنه لم يكن مجرد إنسان سطحي يسخر من هذه الفئة لينتصر لتلك، فيعلي من شأنها على طريقة المدح السائد في أشعار العرب وقصصهم، وإنما فعل قراءة شديدة العمق، كثيفة التأمل، وتحيل إلى ما يصعب توقعه.

شهوة عمياء

وبالإحالة إلى الأدب المقارن الذي لا يمكن الهروب منه في مقاربة ثقافة بأخرى، وإن اختلفت الظروف والأطر الاجتماعية، فإن الجاحظ قد اختار بخلاءه من طبقة المثقفين، وكبار رجال الدولة، كالوزراء والولاة، أما موليير الفرنسي فاختار بخيله من الطبقة الوسطى، حين تنزل عليه ثروة هائلة فتكشف عن خباياه وعن ضعفه أي أن زاوية النظر مختلفة لدى الكاتبين الذين تفصل بينهما قرون من التاريخ.

لكن الجاحظ وموليير، يختلفان في تصوير الصراع الداخلي في أعماق البخيل، حيث نجد الشهوة العمياء والأنانية البغيضة، والاختلال في القيم، يغلف كل ذلك ستار من الأحاسيس الإنسانية العميقة الدامية، فالضحك ـ وبحسب الباحث يسري عبدالغني ـ يمتزج بالأسى، والسخرية تكشف عن ضعف الإنسان حين تستبد به الأهواء، فالقارئ أو المشاهد، يضحك ويشفق على من يضحك منهم ومن سلوكهم، مضيفا “البخيل عندهما إنسان مريض ومصيبته أنه لا يدري أنه مريض، ولا يريد أن يدري بذلك، وكأن البخل أضحى بعضًا من الطبيعة”.

الجاحظ فصل الشعر عن النثر كما يفصل اللحم عن العظم وقال إن البلاغة هي البراعة في الاختصار

انتبه الجاحظ ومعه موليير ـ إلى أن صفة البخل تزيد المجتمع تمزقا والناس تباعدا، على اعتبار أن الكرم الإنساني أشد حالات الإنسان حميمية، ومنها تبني البشرية تواصلها الذي لا بد منه، إلا أنّ لكلا الرجلين ذريعته فيما أرادا الاثنان الذهاب إليه، فالجاحظ قد التقط صفة البخل وسيلة لإبراز مهاراته في المنطق والتدليل عليه ثم الاستخفاف به حين يغدو سلوكا لا طائل من ورائه، بينما ذهب موليير الذي تأثر في مسرحيته الشهيرة “البخيل”، بالشاعر الروماني بلوتوس حيث “صور شخصية “أرباغون” ذاهبا بها  نحو العدمية على لسان بطله في مونولوغ أخاذ “لقد هلكت، لقد نحروني، لقد سرقوا مالي، من تراه اللص، ماذا حل به، أين هو، في أي مكان يختبئ، ماذا أفعل لأعرفه، إلى أين أجري، أليس هو هنا، أليس هو هناك، من هذا، قف، أعد إلي مالي أيها النذل، (يقبض على ذراعه اليسرى)، آوه، هذا أنا، لقد فقدت صوابي، إني أجهل من أنا، وأجعل أين أنا، وأجهل ما أعمل”.

ويواصل بخيل موليير كلامه في نفس المشهد “آه!، يا دراهمي المسكينة، يا صديقتي الغالية، لقد حرمت منك، وبما أنك انتزعت مني فقد فقدت سندي وعزائي وفرحي، انتهى أمري ولم يبق لي بعدك حاجة في الدنيا، بدونك يا دراهمي لا أستطيع الحياة، انتهى الأمر، إني أتلاشى، إني أموت، بل لقد مت فعلاً، لقد دفنت، من يستطيع من يبعثني من الموت بأن يرد دراهمي الغالية”.

لم يوجد في تاريخ الأدب العربي من “قدّر البخل حق قدره” غير الجاحظ، وذلك في أدب مديني رفيع، إذ لا تسمح بمثل هذه الآداب غير المدينة، فهل يخطر بابن البادية أن يتحدث عن البخل كما فعل الجاحظ، وهل يخطر له أن يتحدث عن الاحتيال كما فعل الهمذاني.. وهل يخطر بأديب أن يتحدث عن أديب كما فعل بديع الزمان بأبي عثمان عمرو بن بحر؟

16