"بخيل موليير" للصغار.. جماليات مسرح الأشياء

الاثنين 2014/02/03
صنابير وقطع قماش ملفوفة تحولت إلى فن مسرحي

باريس- لم نعهد أن يتحوّل نصّ من عيون المسرح العالمي الكلاسيكي إلى عرض للأطفال لا يؤدي أدواره ممثلون ولا دمى متحركة، بل أشياء بسيطة جامدة، وهو ما قامت به أخيرا فرقة “لاتابولا راسّا” في مسرح بلفيل بباريس، بتحويلها مسرحية “البخيل” لموليير، إلى عرض للأطفال بدءا من سن العاشرة أذهل المتفرجين، صغارا وأولياء، ونوّه به النقاد في وسائل الإعلام كتحفة عجيبة يبتكرها العقل البشري.

فرقة “لاتابولا راسا” قدّمت عملا يعتمد على الأشياء المألوفة التي يستعملها الإنسان في حياته اليومية، ولا يعيرها من الاهتمام إلا على قدر ما تلبي حاجاته. هذه الفرقة فرنسية كتالونية، تنتمي إلى ما يسمى “مسرح الأشياء”، وهو مسرح حديث ظهر في فرنسا عام 1970 على أيدي جاك تمبليرو وشارلو لوموان وتانيا كاستان، كردّ فعل على اكتساح البضائع الأسواق، خصوصا البضائع الصينية الرخيصة ذات الأمد المحدود.

الأبطال هنا صنابير وبعض ما يتصل بها من أدوات كالحلقوم والسيفون وما إلى ذلك، تؤدّي ما يؤدّيه ممثلون يتقمصون شخصيات “البخيل”. فآربغون هو صنبور من النحاس قديم، يراكم الماء قطرة قطرة بعيدا عن الأنظار، وابنه كليانت صنبور آخر لا يزال يلمع بصبغة الكروم، ولكنه ناشف ظمآن يبحث عن قطرة ماء تبل تعطشه لحبيبته، ولافليش الخادم الوقح صنبور آخر أقل جدة، يحاول في السرّ تجفيف صهريج سيّده.

وعلى الركح ممثلان فقط هما أوليفييه بونوا وجان باتيست فونتاروسا ينهضان بتقمّص شخصيات حكَم عليها بالعطش مستبدّ مسكون برغبة مرضية في تكديس سيولته تحت بلاطة بيته، وفظاظة في معاملة ابنه وابنته اللذين لا يرومان أكثر من العيش في سعادة، حيث استقر بباله أن يستأثر لنفسه بحبيبة ابنه، ويرغم ابنته على الزواج من عجوز ثري يملك سيولة متدفقة. فالماء هنا يعوّض المال في المسرحية الأصلية، وكلاهما شريان من شرايين الحياة، ومورد من الموارد التي يجهد الإنسان نفسه في الحصول عليها.

كل ذلك في فنية عالية ودقة صارمة ووفاء لجوهر النص المولييري، مستعيضَيْن عن تعابير الوجه بالحركة، ليمنحا الأشياء حضورا قويا بالغ التعبير والتأثير، فقد بدت الأشياء بفضل موهبة هذين الممثلين، المحركين لها، منتعشة بحياة خاصة بها، وبنوع من الحضور الإنساني المؤثر. وتتوالى المشاهد، كما في مسرحيات موليير، لاهثة، مرحة، متقلبة، في شكل مواقف مضحكة، تخلب اللبّ وتبهر المتفرجين، وتنتزع ضحكاتهم، دون التقيّد بعمر.

ساعة ونصف الساعة، وبونوا وفونتاروسا اللذان تخرّجا من مدرسة جاك لوكوك، أحد أعلام هذا الفن، واقفان خلف طاولة يحركان الصنابير ويتحاوران ويغيران صوتيهما بحسب المقام ويتنقلان من مشهد إلى مشهد بسرعة عجيبة، ودقة تعكس تمرسهما بأساليب المسرح وأنماطه. العمل قنع بمعدات قليلة لم تتجاوز طاولة وصنابير وقطع قماش ملفوفة حولها لتعطيها ما يوحي بالهيئة الآدمية.

والنص، وإن وقع التصرف فيه لغايات فنية، لم يفقد روحه المولييرية، بل إنه غالبا ما يفسح المجال للخطابات الشعرية كما هي عليه في الأصل، وكذلك للموسيقى الكلاسيكية بين مختلف فصول العرض، وكأنها دعوة إلى الرقص على غرار ما كان معهودا في بلاط لويس الرابع عشر.

انطلاقا من فكرة لجوردي برتران، تناولت الفرقة “بخيل” موليير من زاوية مسرح المواطنة الصالحة، لتعالج كالعادة قضية من قضايا البيئة، وهي هنا قضية استغلال الثروة المائية، ومخاطر الاستئثار بها، وبوجه أعمّ حماية الموارد الطبيعية. وجاء إخراج ميغيل غاياردو رائعا بكل المقاييس. والمدهش أن المتفرجين كانوا ينخرطون في متابعة المشاهد وكأنهم أمام شخوص من لحم ودم، يفزعون لفزعهم ويسعدون بسعادتهم.

وقد اعتبرها النقاد أعجوبة من أعاجيب الفن، تمتزج فيها حدة الذكاء بالمهارة التقنية، والحسّ الفني بسعة الخيال، وهو ما يفسّر النجاح الذي لاقته في مدن كثيرة من العالم، وحيّا النقاد في أعضاء الفرقة قدرتهم الفائقة على منح الحياة لمعدات مهملة، مغلفة بقطع بسيطة من القماش، مع مؤثرات صوتية وضوئية، وصهرها في عمل فني ساحر. فـ”المسرحية” كما قال أحد النقاد معين ثرّ من الابتكار الخلاق الذي سيروي عطش التواقين إلى الأعمال الرائعة.

16