بدء العد التنازلي لتفوق الكمبيوتر على الذكاء البشري

شركة أوبن أي.آي تزلزل السباق بالسعي لبلوغ الهدف خلال 5 سنوات بهدف بناء نظام يمكنه تشغيل نموذج للذكاء الاصطناعي بحجم دماغ الإنسان.
الأحد 2019/09/01
اقتراب نهاية السباق إلى منصة التفوق

نقلت شركة أوبن أي.آي OpenAI الأميركية سباق الذكاء الاصطناعي مع الذكاء البشري إلى مدار جديد على جبهتين:

الأولى؛ نجاح تجارب محاكاة لقدرات الدماغ في التعامل مع سيناريوهات وعوامل متغيرة والتفوق فيها على البشر.

أما الثانية، فهي غير متعلقة بالجانب التكنولوجي، والتي قد يتبين أنها الأكثر أهمية في نهاية المطاف، فهل نجاح الشركة في استقطاب استثمارات كبيرة من أبرز اللاعبين العالميين في ميدان تكنولوجيا المستقبل.

وتتضاعف أهمية الرهان الاستثماري ودلالاته العميقة، إذا علمنا أنها حققته، رغم أن دستور الشركة يفرض الالتزام بتخصيص معظم المنافع التي قد تحققها أبحاثها، لخدمة مستقبل البشرية وليس لأغراض تجارية.

في بداية الشهر الحالي، عززت أوبن أي.آي التي مقرها مدينة سان فرانسيسكو، انفرادها في صدارة السباق، بعد أن أصبحت لا تستند فقط إلى رهان مؤسسيها من أبرز شخصيات صناعة التكنولوجيا مثل إيلون موسك وبيتر تيل وريد هوفمان.

مفاجأة الاستثمار الكبرى جاءت من ضخ شركة مايكروسوفت مليار دولار لتسريع سعيها لتحقيق الاختراق الأكبر في الذكاء الاصطناعي، والذي سينقل أحلام الخيال العلمي إلى أرض الواقع.

غريغ بروكمان:  الذكاء الاصطناعي اليوم بمستوى ذكاء النحلة. ونعتقد أنه سيصل خلال 5 أعوام إلى قدرات مطابقة لذكاء الدماغ البشري
غريغ بروكمان: الذكاء الاصطناعي اليوم بمستوى ذكاء النحلة. ونعتقد أنه سيصل خلال 5 أعوام إلى قدرات مطابقة لذكاء الدماغ البشري

ويضاعف استثمار مايكروسوفت، التي تتصدر قطاع الحوسبة السحابية، من قدرات شركة أوبن أي.آي على تحقيق هدف بناء كمبيوتر قادر على ما يسمى “الذكاء الاصطناعي العام” وهو مستوى من الإدراك من شأنه أن يضاهي صانعيه البشر.

ويقول ريتشارد ووترز في تحليل في صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن عبور ذلك الحاجز هو بوابة ظهور أجهزة الكمبيوتر بقدرات خارقة تضاهي أعلى قدرات الذكاء البشري.

عامل الاستثمار الحاسم

ويبدو أن تحالفات أوبن أي.آي جعلت الإمكانات الاستثمارية العامل الحاسم في سباق الذكاء الاصطناعي، حيث لا يتردد غريغ بروكمان، رئيس مجلس إدارة أوبن أي.آي والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في القول إن “السباق ستفوز به الجهة التي لديها أكبر جهاز كمبيوتر”.

لكن أورين إيتزيوني، رئيس معهد “ألان” أحد أفضل المجموعات تمويلا في الأبحاث الأميركية للذكاء الاصطناعي، يرى أن الأمر لن يكون مجرد إلقاء المزيد من الأموال على المشكلة، وإلا فإن كثيرين سيفكرون في ذلك. ويقول إن الأمر يحتاج اختراقات تكنولوجية هائلة.

وفي كل حال فإن ذلك الاستثمار سيكون حاسما في مضاعفة قدرة أوبن أي.آي على استقطاب أبرز المواهب والمبتكرين في ميدان الذكاء الاصطناعي من جميع أنحاء العالم، حيث لن يستطيع أحد مقاومة إغراءات الانضمام إلى فريقها.

يقول بروكمان إن تلك الأموال الضخمة جدا بالنسبة لأي مؤسسة بحثية، ستنفق “خلال 5 أعوام، وربما بشكل أسرع بكثير بهدف بناء نظام يمكنه تشغيل نموذج للذكاء الاصطناعي بحجم دماغ الإنسان”.

لا يستطيع أحد أن يحسم حتى الآن ما إذا كان الكمبيوتر، الذي سيكون بمستوى الهندسة العصبية البشرية، قادرا على تقديم مستوى مماثل للذكاء.

ويحاول بروكمان التنصل من التنبؤ بدقة بموعد بلوغ الكمبيوتر إلى مستوى “الذكاء الاصطناعي العام”. ويقر بأن الأمر يتطلب تطورات في الخوارزميات لتحقيق الزيادة الهائلة في القدرة الحاسوبية.

لكنه يقول بشيء من الثقة إنه يعتقد بإمكانية تحقيق ذلك خلال 5 سنوات في ظل قوة الحوسبة الهائلة التي تملكها شركتا أوبن أي.آي ومايكروسوفت لتحقيق طموحات الذكاء الاصطناعي.

ويركز رهان أوبن أي.آي على نظم التعلم العميق، التي تستخدم شبكات عصبية اصطناعية لمحاكاة كيفية عمل الدماغ البشري، والتي حققت قفزات كبيرة جعلت الذكاء الاصطناعي أكبر محور في عالم التكنولوجيا.

وتؤكد الشركة أنها تملك قدرات كافية للوصول إلى مستوى الذكاء البشري، رغم أن الكثير من الباحثين يقولون إن التعلم الذاتي العميق لن يقوم أبدا بأكثر من الأشكال المتطورة للذكاء الاصطناعي المستخدمة حاليا في التعرف على الوجه أو ترجمة اللغة، وأنه سيبقى أقل بكثير من الذكاء الحقيقي.

وتعتقد شركة ديب مايند البريطانية التي تملكها مجموعة ألفابت، أن تعليم أجهزة الكمبيوتر أنواعا جديدة من التفكير والمنطق الرمزي، ستكون ضرورية لاستكمال الشبكات العصبية، وليس فقط لمجرد بناء أجهزة كمبيوتر أكبر.

ويصل التشكيك ذروته لدى ستيوارت رسل، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، الذي قال لفايننشال تايمز إن “التركيز على قوة الحوسبة الخام يخطئ الهدف تماما. لا نعرف كيف نجعل آلة ذكية حقا، حتى لو كانت بحجم الكون”.

جدل الربحية والمنفعة العامة

أوبن أي.آي تحسم السباق باستقطاب أبرز مبتكري الذكاء الاصطناعي من جميع أنحاء العالم
أوبن أي.آي تحسم السباق باستقطاب أبرز مبتكري الذكاء الاصطناعي من جميع أنحاء العالم

ويؤكد بروكمان أن برنامج أوبن أي.آي سيكون ذا منفعة عامة. ويشير إلى المهمة التي حددها مؤسسو الشركة، وهي بناء “الذكاء الاصطناعي العام” الذي لا تقتصر فوائده على شركة أو حكومة واحدة.

لكنه يضيف أنه يمكن أن يوفر أيضا ثروة لا مثيل لها. ويشير إلى القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا الرائدة، التي جرى إنتاجها باستخدام أجهزة ليست ذكية للغاية، ليتساءل عن القيمة المالية الهائلة لهذا البرنامج. ويؤكد أنها ستكون بلا مثيل في التاريخ.

وتراهن أوبن أي.آي على أن زيادة قوة أجهزة الكمبيوتر سيصاحبها تطوير خوارزميات أنظمة التعليم العميق، لنصل بالنتيجة إلى إمكانات لا يمكن لمبرمجين أن يحلموا بها اليوم. بعض النقاد مثل رسل يقولون إن إلقاء المزيد من القوة الحاسوبية على خوارزميات غير كاملة يعني “أنك تحصل على إجابة خاطئة بسرعة أكبر”. لكن بروكمان يرد بالقول “يمكنك الحصول على نتائج مختلفة من ناحية النوعية مع زيادة القوة الحاسوبية”.

ويؤكد أن بعض الاختبارات التي أجرتها أوبن أي.آي في تاريخها الذي يمتد لأربعة أعوام، تشير إلى نوع من التقدم الذي يأتي من الزيادات الهائلة في قوة الأجهزة.

بدء العد التنازلي

أكبر اختراق نوعي في محاكاة الذكاء البشري حدث في إحدى تجارب أوبن أي.آي، حين تغلب الذكاء الاصطناعي على أفضل فريق بشري في لعبة الفيديو دوتا 2. ويؤكد ذلك أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تقديم أداء جيد في ألعاب أقرب بكثير إلى العالم الحقيقي من ألعاب الطاولة مثل الشطرنج.

ويعد ذلك تأكيدا جديدا للنجاح الذي حققته شركة ديب مايند في لعبة ستاركرافت.

ويرى بروكمان أن ذلك يعني أن نظام أوبن أي.آي علم نفسه مستوى أعلى من التجريد، حيث وضع هدفا عاما ثم تعمق في التفاصيل الدقيقة حسب الحاجة، وهذا النوع من التخطيط يعدّ من أعلى قدرات الذكاء البشري.

ستيوارت رسل:  التركيز على قوة الحوسبة الخام يخطئ الهدف تماما. لا نعرف كيف نجعل آلة ذكية حقا، حتى لو كانت بحجم الكون
ستيوارت رسل: التركيز على قوة الحوسبة الخام يخطئ الهدف تماما. لا نعرف كيف نجعل آلة ذكية حقا، حتى لو كانت بحجم الكون

في أعقاب تلك التجربة أصبح حتى أكبر المتشككين، مترددين في تجاهل ادعاءات أوبن أي.أي بالكامل. وأصبح إيتزيوني يقر بأن “من الإنصاف القول إن التعلم العميق حقق نقلة نوعية في الذكاء الاصطناعي. لكنه يتساءل عن إمكانية تكرار ذلك النجاح مرة أخرى.

ويعد جذب شركة مايكروسوفت لتمويل هذا الجهد نقلة كبرى في اتجاه عمل مجموعة الأبحاث وهي تحاول تسريع الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي العام. معظم المليار دولار الذي استثمرته مايكروسوفت سيعود إليها على شكل مدفوعات لاستخدام منصتها للحوسبة السحابية أزوري (Azure) حيث تعمل مايكروسوفت على تطوير إمكانات جديدة للحوسبة الفائقة بالاستفادة من هذه التجارب.

وينفي بروكمان أن ذلك يشكل انحرافا عن هدف شركة أوبن أي.آي في البقاء بعيدا عن أهداف الشركات. ويؤكد أن دور مايكروسوفت سيقتصر على دور “المستثمر والشريك الاستراتيجي في بناء الحواسيب العملاقة واسعة النطاق”.

استثمار مايكروسوفت سيمنحها مقعدا في مجلس إدارة أوبن أي.آي وحصة كبيرة في ذراعها الربحية، التي تم فيها تحديد العوائد المحتملة لكل مساهم، دون الإفصاح عنها.

إذا تمكنت أوبن أي.آي من تحقيق الثروة الهائلة التي يتوقعها بروكمان، فإن معظمها سيخصص لذراعها غير الربحية، وهو ما يؤكد تعهدها باستخدام ثمار أبحاثها لصالح البشرية جمعاء.

تحطيم قانون مور

اعتاد قطاع التكنولوجيا على التطور وفق “قانون مور” الذي توقع فيه غوردون مور الشريك المؤسس لشركة إنتل عام 1965 أن تتضاعف قدرات الكمبيوتر كل عامين، لكن شركة أوبن أي.آي تعتقد أن القانون لم يعد صالحا.

ويقول برومان إنه بداية عهد تعلم الآلة ذاتيا قبل 7 سنوات، فإن قدرة المعالجة المستخدمة في تدريب أكبر موديلات الذكاء الاصطناعي، جعلت أنظمة الكمبيوتر الأكثر تقدما اليوم أقوى بمقدار 300 ألف مرة من تلك التي كانت مستخدمة في عام 2012.

ويضيف أن أوبن أي.آي تستند إلى ترجيح استمرار هذه الوتيرة خلال الأعوام الخمسة المقبلة، وهو أمر من شأنه أن يؤدي إلى نتائج تبدو اليوم “جنونية للغاية”.

ويشير على سبيل المثال إلى أن التقدم الذي تحقق في الأعوام السبعة الماضية يشبه تمديد عمر بطارية الهاتف من يوم واحد إلى 800 سنة وإذا استمرت تلك الوتيرة سيصل عمر البطارية خلال 5 أعوام أخرى إلى 100 مليون عام.

ويؤكد بروكمان أن معظم الشبكات العصبية المتقدمة اليوم هي على مستوى ذكاء النحلة. ويعتقد أنها ستصل خلال خمسة أعوام أخرى من التقدم الهائل، إلى قدرات مطابقة لذكاء الدماغ البشري.

يبقى أن مسارات الذكاء الاصطناعي لا يمكن حصرها ويستحيل التنبؤ بمساراتها، مثل رهان إيلون ماسك وهو أبرز مؤسسي أوبن أي.آي في مشروع منفصل على إدخال الذكاء الاصطناعي داخل الدماغ البشري، لمنع تفوق الآلات على البشر وربما سعيها للقضاء عليهم.

17