بدايات تتبادل المواقع

في الرسم كما في الكتابة الأدبية يعد تجاوز البدايات أساسيا حتى وإن لم يتم استيضاح ما بعدها.
الأربعاء 2019/09/11
البدايات طريق إلى الاكتشاف (لوحة للفنان عبدالوهاب مرسي)

في اليوميات المنشورة لروائيين أو في رسائلهم وتأملاتهم بصدد الكتابة الروائية، في كتابات أمبرتو إيكو وأورهان باموك وميلان كونديرا وهنري جيمس وعبدالرحمن منيف وماريو بارغاس يوسا، نجدهم يتوقفون عند تفاصيل ما قبل الشروع في صياغة المسودات، لحظة الاشتغال على الأرشيف والبحث والتقاط الصور والتعرف على ملامح شخصيات وزيارة مواقع ومكتبات ومتاحف، وأسئلة متراسلة تبحث عن إجابات، وتدوين ملاحظات ضمن جذاذات خاصة، عن فضاءات وشخصيات، أو أفكار غير واضحة بصدد موضوعات،…

 تفاصيل لا حصر لها تكمن في بداية البدايات لكل رواية، أو ما قبل البدايات إن أردنا الدقة، هي ذات التفاصيل التي تتراكم في ورشة الرسام، صور وتخطيطات، وملاحظات مكتوبة، ولُقى، وعشرات المستنسخات. ثمة دوما بدايات يمكن أن توصف بأبحاث أو تخطيطات أو مدونات مشتركة، قبل الشروع في التصوير بالكلمات أو الأصباغ.

 فكرة البداية هنا لا تقف عند حدود تطويق الأصل، واستيضاح الفكرة، وتحديد مسارها، وإنما في الوقوف عند نقطة تمكّن من تمثل ملامح الانتقال إلى المسودات، أو الصيغ الأولى. في مقولة بالغة الدلالة لأورهان باموك ضمن كتابه “الروائي الساذج والحساس”، يقول ما يلي “يشبه الروائي الرسامين الصينيين القدماء، الذين يتسلقون الجبال من أجل التقاط إحساس مناظر طبيعية واسعة… ومكان المراقبة، الذي يشرف على كل شيء من الأعلى،  بنظرة واحدة، والذي يجعل تلك اللوحات ممكنة، هو التخيّل، ولا يوجد رسام رسم لوحاته على قمة جبل. بنفس الطريقة يكون بناء الرواية مقترنا بالبحث عن نقطة وهمية بحيث يمكن من خلالها الإشراف على المشهد بالكامل”.

ولعل فكرة الإطلالة من أفق شاهق على مشهد، بقدر ما توحي بالرغبة في امتلاك “إطار” حاصر للوقائع، والفضاءات، والألوان والملامح والضياء، فإنها توحي بالتشوف إلى امتلاك “وهم” تبديد الغموض، واستيضاح الرؤية، إذ لا يمكن الانتقال من الأبحاث والمدونات إلى المسودات دون الوقوف عند نقطة بداية تلهم اليد، في الكتابة والرسم على حد سواء.

لكن لا تنتهي عقدة البداية عند هذا الحد في اللوحة أو الرواية، ثمة تماثل في استرسال التشكيل من بدايات تبدو متوالدة، من هنا يمكن فهم القناعة التي تركب الروائي والرسام معا، بأن تجاوز البدايات أساسي حتى وإن لم يتم استيضاح ما بعدها، فعدد كبير من روائيي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ممن ألفوا نصوصا تمتد على مئات الصفحات، لم تكن لهم معرفة تامة بمسار شخصياتهم، ولا بمآلات وقائعهم، كانت الكتابة لديهم استكشافا دائما لاحتمالات تولدها تفاصيل طارئة، لم تخطر على البال في البدايات الأولى، تماما مثلما يحدث في اللوحات، ليس فقط في أساليب الفن المعاصر، بل في مجمل تاريخ الفن، حيث تكون اللمسات النهائية “غير نهائية” لفترات طويلة، قبل أن تكتمل التحفة، وحيث الصيغة النهائية تتوج مسارا حافلا من الترددات والسوانح والمراجعات والتحولات الجذرية.

 يمكن أن نقول إن العمل ذاته يتحول إلى أديم تتوالى قشراته المزاحة تدريجيا، قبل الوصول إلى القرار المستبطن للمعنى، ذلك ما يؤكده على الأقل بوح “مروان قصاب باشي” حين كتب “كلما وصلت إلى اقتناع في عمل فني أثناء العمل المرير، أعود في اليوم التالي لأرى نقصا أو أطمح في تغيير كي أصعد العمل… أنظر إلى العمل وأرى الاحتمالات الممكنة ولكن الغوص في هذا العمل الدبق يشبه من يغوص في مستنقع ليخرج درة، ما أصعب الوصول إلى الدرة”. في كتاب “تقرير إلى غريكو” الذي أراده نيكوس كازانتزاكيس جردا لسيرة وتراكمات وأحلام ومتاهات يقدمه إلى جده، والجد هو “غريكو” الرسام الشهير ذو الأصول اليونانية، يشير في صفحة من البداية إلى شهوته العارمة لاقتراض بضعة شهور من الزمن، من الآخرين، فقط ليعيد كتابة ذلك “التقرير”، لم يكن مقتنعا بالمسودة، وأدرك أن ما فضل من الوقت قصير، لا يكفي للانتهاء من مشاريع لم يشرع فيها بعد، ويحلم بإنجازها.

 كانت فكرة تقديم “التقرير” في صيغته البدائية مرعبة، وكان متأكدا من أنه لو عاد إلى البداية مرة أخرى لكتب تقريرا مختلفا، لدرجة خوفه من ضياع مخطوطة المسودة الوحيدة، فأودعها قبل رحلته الطويلة إلى الصين، عند رسام شاب كان يسميه “قابلته” لأنه كان يأتي من الفجر دائما ويصعد إلى مكتبة نيكوس مشوّشا بمشكلات وجودية عظيمة… هل كانت صدفة فقط أن تودع المسودة الأولى والوحيدة، التي لم تبرح البدايات عند رسام شاب، وأن تكتب كتقرير إلى رسام شهير؟

قد تكون، مرة أخرى، ملمحا مضافا من ملامح ما يسمى بمكر التاريخ، الذي يجعل المصادفات طافحة بالمعاني، المعاني ذاتها التي لا تمثل في النهاية إلا استجابة لقرار الشروع في البداية، ذلك على الأقل ما يؤكده استنتاج بارع لإدوارد سعيد “البداية هي الخطوة الأولى في الإنتاج المتعمد للمعنى”.

14