بداية عصر سعد الحريري ونهايته

السبت 2014/03/29

غادر سعد الدين رفيق الحريري بيروت في يونيو 2011 بعد إسقاط حكومته وتشكّل حكومة نجيب ميقاتي التي خلفته قرابة عامين. إلى تاريخه، لم يعد سعد الحريري بذريعة تهديد أمني حقيقي يستهدفه، إضافة إلى أزمة مالية تعانيها شركات الحريري أثرت على تيار المستقبل الذي يتزعمه.

ذريعة التهديد الأمني، رغم جديتها، فاشلة. فهي توحي أن سعد الحريري مستهدف دون غيره من قيادات تيار السيادة والاستقلال (14 آذار). إن الخطر الذي يتربص بالرئيس فؤاد السنيورة وسمير جعجع لا يقل عما يحيط بالحريري، وربما هو أشد. علما بأن هذا الخطر لا يستثني الزعيم الدرزي وليد جنبلاط رغم تقلباته. أما إذا كانت موانع عودة الحريري اقتصادية، فهو يسلّم أن شعبيته تستند إلى سطوة المال لا إلى قناعات السياسة، وهكذا ينسف زعامة والده قبل أن ينسف زعامته.

السؤال الذي يجب أن يسأله الحريري لنفسه: لماذا لم يغادر السنيورة وجعجع أسوة به؟

من مقتضيات الزعامة وبديهياتها، أن يحمي الزعيم جمهوره لا أن تقع حمايته من طرف جمهوره، والتعرض للخطر من الظلال الملازمة للزعيم في أي مكان وزمان. منذ غادر سعد الحريري تم اغتيال اسمين سنيين كبيرين هما العميد وسام الحسن (رئيس شعبة المعلومات) والوزير محمد شطح أحد قيادات تيار المستقبل. ويبدو مزعجا للغاية أن يكون رفاق سعد الحريري في دائرة الموت وزعيمهم يخشى المواجهة.

في طرابلس، يموت العشرات أسبوعيا من جمهور سعد الحريري نتيجة المواجهات الدائمة والدامية مع ميليشيات بشار الأسد في جبل محسن، والزعيم يبدو في موقع العاجز أو اللا مبالي مهما صرح للصحافة والإعلام. كم يبدو مؤسفا استشهاد ناخبي الزعيم مقابل غيابه بذريعة خطر أمني. أتمنى من الحريري أن يتجول في مواقع التواصل الاجتماعي ليلمس اهتزاز صورته لدى بعض ناخبيه وتأففهم من فكرة الدولة التي آمن بها، وفي ذلك دلالات كثيرة.

بعد استشهاد النائب البيروتي وليد عيدو عام 2007، باهى مسؤول خليجي بسعد الحريري في مجلسه الخاص “قال لي على الهاتف قبل قليل إنه لم يعد يخشى الموت الذي يحصد رفاقه، وأنه مع أهله وناسه يسري عليه ما يسري عليهم. حين رأيته يتصدر الجنازة والعزاء تأكدت أنه أهل للزعامة التي ورثها وأنه عند حسن الظن فيه”. قبل أشهر، في المجلس الذي نال فيه (الحريري) الإشادة قبل سنوات قال المسؤول نفسه: “لو أنا تركت أسرتي- التي هي من لحمي ودمي- وأقمت في أوروبا دون أن أهتم بها أو أقوم بواجباتي، سأفقد مكانتي وقيمتي كرب أسرة!”.

الأداء المرتعش لـ”الحريري” الابن أتاح لقوى الإسلام السياسي- الموالية لقطر- أن تتغلغل في نسيج الطائفة السنية التي ارتبط تاريخها في لبنان بالمدنية والاقتصاد والدولة. لا مبرر لأن يجتذب إرهابي كأحمد الأسير شريحة من جمهور سعد الحريري- ولو كانت ضئيلة- إلا أداء الحريري. ولا مبرر لأن تخلخل- تحت أي ظرف- تيارات الإسلام السياسي أوساط السنة في شمال لبنان إلا أداء الحريري. حين يشعر الجمهور بضعف الزعيم أو قلة حيلته، يلجأ فورا إلى خيارات أكثر تطرفا وتخلفا التماسا للقوة والأمان.

بمغادرة سعد الحريري بيروت، ترك كرسي الزعامة السنية للفراغ، مسهلا استهداف الطائفة من بشار الأسد وحزب الله، ومتيحا الفرصة لقوى دخيلة على النسيج الاجتماعي- كأحمد الأسير وسالم الرافعي والجماعة الإسلامية- لتنخر كرسي الزعامة الخالي، هذا غير التآكل التدريجي لشعبية الحريري وتياره. والآثار السلبية لكل ذلك لا تنعكس على الوسط السني وحده، بل تهدد السلم الأهلي في لبنان برمته.

بعد أحداث أيار 2008، قال سعد الحريري في استقبال منزلي لبعض جمهوره: “هل كنتم ستطلبون من رفيق الحريري أن يسلحكم؟ وحتى لو طلبتم بماذا سيجيب؟ الدولة هي مشروع والدي ومشروعي، أنا ابن رفيق الحريري”. كانت رسالة مفحمة وموفقة أخرس بها سعد الأصوات المتطرفة القليلة داخل طائفته. اليوم، على ابن رفيق الحريري أن يتذكر أن الحريري الأب مر بأزمات مالية بعد انتخابات عام 1996 وانتخابات عام 2000 ولم يترك بلاده. على ابن رفيق الحريري أن يتذكر أن الحريري الأب في ذروة تعرضه للخطر بعد التمديد للرئيس إميل لحود، قال لمسؤولين عرب نصحوه بمغادرة لبنان لبعض الوقت: “لست أنا من يبقى في زمن الرخاء ويهرب في زمن الخطر. الوطن ليس فندقا”.

أوراق الطائفة السنية في لبنان في حاجة إلى إعادة ترتيب، والثقة في زعامة سعد الحريري وخلقه وخطه السياسي تدفع محبيه داخل لبنان وخارجه إلى التمني بأن يضطلع بمسؤوليات زعامته ويرتب بنفسه هذه الأوراق، من تمتين العلاقة بالحلفاء إلى أخذ الحيطة من مؤامرات الخصوم والتصدي قدر المستطاع لاعتداءاتهم مرورا بإصلاح الخلل الذي بدا في سنوات الغياب. وإذا استسلم الحريري الابن لدعة التسويف سيجد نفسه في اللحظة الأخيرة قبل فوات الأوان بين خيارين: العودة الفورية إلى لبنان، أو اعتزال الحياة السياسية لفقدان التأثير.

إن نقد غياب سعد الحريري ليس انقلابا على زعامته أو انشقاقا عن خطه السياسي، لكنه تذكير بالآمال المعقودة عليه. لرفيق الحريري إنجازات كثيرة، إلا أن أهمها مطلقا: مدينة بيروت، وتأسيس تيار المستقبل كممثل مدني للسنة في عالم الطوائف. واليوم بيروت رفيق الحريري أسيرة الوهن والحيرة والأحزان، تلك الفاتنة التي تعرفها في غيابك شاخت فجأة، ذلك البريق الذي في عينيها أطفأته الوحشة، أما التمثيل المدني للسنة فتستهدفه اللحى المسمومة والمخضبة بالدماء بأسنة اليأس والبؤس. فأين أنت يا سعد؟ لا أحد يريدك أن تموت، لكن الجمهور يريدك بجواره كما أشعرك مرارا أنه بجوارك. خصومك يريدون إقصاءك، وغيابك يحقق مرادهم. رحم الله رفيق الحريري، وحفظ ابنه سعد.


كاتب سعودي

9