بدرالدين عرودكي: الديكتاتوريات الأبدية أوصلت الوعي النقدي إلى الانحطاط

الأحد 2015/01/11
بدر الدين عرودكي: أهم ما كشفت عنه الانتفاضة السورية هو الجيل الادبي والفني الجديد المبدع

الدكتور بدر الدين عرودكي، كاتب ومترجم سوري بارز، كتب في مجالات النقد الأدبي والسينمائي والمسرحي والموسيقي والفنون التشكيلية، أنجز العديد من التراجم الهامة والتي تقرب من الثلاثين كتابًا، والتي تم نشرها في عدد من البلدان العربية على رأسها مصر ولبنان وسوريا، كما نشر عددًا من الدراسات في مجال علم الاجتماع الثقافي، له عدد من الترجمات البارزة مثل (ثلاثية حول الرواية: فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار) لميلان كونديرا، وكتاب “معك” لسوزان طه حسين، و”الآخر مثلي” لجوزيه ساراماغو .. عن أوضاع الثقافة والترجمة وغيرها من الأسئلة الشاغلة كان لنا معه هذا الحوار.


هموم الترجمة


في البداية تحدث بدر الدين عرودكي عن أحوال الترجمة في العالم العربي، وهل تتجه إلى الازدهار أم الانتكاس قائلًا: “لا أظن أن حركة الترجمة تتجه نحو الازدهار في عالمنا العربي. ربما العكس هو الصحيح. هناك مشروعات هنا وهناك. المركز القومي للترجمة في مصر مثلاً، وهو مؤسسة عامة، أو المنظمة العربية للترجمة في لبنان، وهي مؤسسة خاصة، لا يمكن للمرء إلا أن يثني على كلا الجهدين على قصور إمكاناتهما المادية.. أول ما يذكر لهذين المركزين أنهما اعتمدا مسألة حقوق الترجمة مبدأ لنشاطهما. كل الكتب التي ينشرها المركز بالقاهرة أو المنظمة ببيروت كتب مجازة من أصحاب الحقوق في لغاتها الأصلية. تلك مسألة شديدة الأهمية في نظري. لكن وجود زهرتين لا يمكن أن يؤلف حديقة.. وهنا أساس المشكلة”.

وأكد عرودكي أن من أبرز أوجه القصور في حركة الترجمة “غياب التنسيق في مجال الترجمة والنشر؛ إذ رغم وجود اتحاد للناشرين العرب يضم عمليًا الغالبية العظمى من الناشرين في البلدان العربية، لا يزال كل ناشر يعمل منفردًا في حقل الترجمة. فالكثير من الكتب تمت ترجمتها عدة مرات ونشرها ناشرون مختلفون في بلدان عربية مختلفةَ دون أي تنسيق”.

واستطرد: “ثانيًا عدم احترام الناشرين العرب في غالبيتهم العظمى لحقوق المؤلف، إذ لو فعلوا لاكتشفوا مثلاً أن حقوق هذا الكتاب أو هذه الرواية قد بيعت لناشر ما ومن ثمّة فلا حاجة لشراء هذه الحقوق مرة أخرى، ولدَفَعَهُم ذلك إلى العمل على ترجمة كتاب آخر لا تزال حقوقه متاحة للغة العربية. إلا أن غياب مهنة التوزيع تسهم في انتهاك حقوق المؤلف للتفرد بطبع الكتاب في هذا البلد أو ذاك. فما دام من شبه المستحيل (رغم معارض الكتب السنوية في العالم العربي) توزيع الكتاب المترجم والمنشور في بلد ما خارج هذا البلد بسبب الحدود المغلقة أمام الكِتاب في البلدان العربية، فإن الناشر مضطر إلى ترجمة الكتاب ونشره دون أن يعبأ بحقوق المؤلف من ناحية ولا بما يترتب على ذلك من نتائج وخيمة على الصعيد الثقافي”.

وأضاف عرودكي: “أيضًا هناك تفاوت مستوى الترجمة والمترجمين. قد لا تكون هذه المشكلة وقفًا على الترجمة إلى العربية. لكن هذا لا يعني عدم ضرورة معالجة هذا الأمر الذي انتبهت إلى خطورته دور النشر الغربية. لكن كيف يمكن للعرب أن يتداركوا مثل هذا القصور وكلٌّ منهم هو في واد؟ وأخيرًا هناك مشكلة المصطلحات في الترجمة. وهي مشكلة حقيقية وشديدة الخطورة ولا سيما في ترجمة كتب العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن المؤسف أن أيّا من المؤسسات اللغوية العربية لا يقوم بما يجب القيام به في هذا المجال، أي محاولة العمل على توحيد المصطلحات واعتمادها رسميًا وإلزام المترجمين باتّباعها. إذ حتى القواميس تتباين في اعتمادها هذا المصطلح أو ذاك وتسهم بالتالي في المزيد من البلبلة والتشويش”.

لا يمكن لأيِّ حركة نقدية أن تزدهر إلا في مجتمع تسود فيه الحرية التي لا يمكن في أجوائها أن ينحدر التعليم ولا الجامعة ولا الطفيليات الثقافية من كل نوع


محاولات


وردًا على سؤال “إلى أي مدى يمكن اعتبار المترجمين في الوقت الحالي خائنين للنص الأصلي؟ لفت عرودكي إلى “أن لكل لغة نسقها وتاريخها وإيقاعها. كما أنَّ لكل كلمة في كل لغة من لغات العالم أيضًا تاريخها الخاص ودلالاتها المتعاقبة وما تنطوي عليه من شحنات ومعان، بالفعل أو بالقوة، في القواميس وفي الحياة. وإذا كان من السهل أو من الممكن العثور لكل كلمة في لغة ما على ما يقابلها في المعنى المباشر في لغة أخرى، فإن من المستحيل أن تتطابق هاتان الكلمتان في تاريخهما وما تنطوي عليه كل منهما من معان ودلالات ومضامين”.

واستطرد: “يكاد المترجم الذي يدرك كل ذلك أو أكثره في اللغة التي يترجم عنها مثلما يدركه في اللغة التي ينقل إليها، أن يسير وهو يقوم بالترجمة على طريق مُعبَّدٍ بالجمر.. تلك هي المشكلة الكبرى ولا سيما في ترجمة المبدعات الأدبية. وربما لهذا السبب جرى تعبير الخيانة على الألسن وبالأقلام.. لهذا أجد التعبير الذي استخدمه عالم التاريخ الاجتماعي الغربي جاك بيرك حين ترجم القرآن إلى الفرنسية مناسبًا تمامًا: فقد سمّى ترجمته هذه: محاولة. وأعتقد جازمًا أن كل ما نقوم بترجمته في مجال النصوص الأدبية لا يخرج عن هذا المعنى: محاولة.. أو محاولات”.


هيمنة الديكتاتوريات


وانتقالًا للحديث عن الحركة النقدية في العالم العربي قال عرودكي: “لا أدري إن كان بوسعنا الحديث عن “حركة نقدية” في العالم العربي. تفترض الحركة النقدية وجود نقاد ومناهج وحوارات ومتابعات نقدية على مختلف مستويات المنابر الثقافية. من المؤسف جدًا أن مثل هذه الحركة كانت شديدة الحيوية في القرن الماضي ولا سيما في نصفه الأول وفي بلدان عربية كانت منارة ثقافية في ذلك العصر وأعني مصر وسوريا ولبنان. لكنها سارت بعد ذلك ومنذ هيمنة الديكتاتوريات الأبدية والوراثية وخصوصًا في سوريا نحو الانحطاط الكامل.

لقد طال هذا الانحطاط المدارس بقدر ما طال الجامعات حيث صارت هذه الأخيرة أقرب إلى التجهيل منها إلى التعليم لا سيما وأن معظم الأساتذة فيها من الأجيال الجديدة قد نشأ وتربّى وتكوّن في حضن هذه الديكتاتوريات وتحت رقابتها. لا يمكن لأيِّ حركة نقدية أن تزدهر إلا في مجتمع تسود فيه الحرية التي لا يمكن في أجوائها أن ينحدر التعليم ولا الجامعة ولا الطفيليات الثقافية من كل نوع. كانت نتائج ما حدث في سوريا خلال الخمسين عامًا الماضية على هذا الصعيد واضحة للعيان قبل عام 2011، وها نحن نرى انفجار الأصوات السورية منذ أربع سنوات الآن، وهي أصوات كانت مكمَّمة أو هامدة أو مرغمة على الصمت بفعل احتلال الطفيليات للساحة الثقافية. وما نقرؤه اليوم لهذا الجيل الجديد من السوريين الذي تبعثر أفراده في جهات العالم الأربع يبرهن على هذه الحيوية التي كانت كامنة في الأعماق. لا يمكن اليوم، مع ذلك، أن نتحدث عن حركة نقدية بالمعنى الذي عرفناه من قبل كما قلت، لكن ما ينشر اليوم يبشر بالكثير”.
دور المثقف هو دور الناقد الدائم لكل ما تقوم به ضروب السلطات على اختلافها، السياسية منها والدينية والحزبية والوقوف على الدوام على القطب الآخر منها جميعًا


آفة الجوائز


وفيما يتعلق بالجوائز الأدبية وأهميتها أكد عرودكي: “أن الجوائز كثيرة هذه الأيام، الرسمي منها أو شبه الرسمي (التي تنشئها مؤسسات الدولة أو من يقوم عليها ويحمل أسماءها من ملوك أو أمراء أو حكام)”. لافتًا إلى: “أن جائزة الدولة تمنح اعترافًا من الأمة بمبدعيها بعد مسار طويل من العمل والإنتاج، وبعد اعتراف قال به أساسًا الجمهور الذي قرأهم وتابعهم وأكبر إبداعهم ومنحهم بالتالي الشرعية التي تسمح لممثلي الأمّة أن يكرموهم باسمها حين يمنحونهم ما يسمى جائزة الدولة. أما الجوائز الأخرى فهي تمنح عادة لعمل أدبي أو أكثر. وفضيلتها أنها تقدم للفائز مبلغًا من المال قد يقدم له حلولاً لمشكلاته المادية لكنها لا تحقق له بذلك الغاية التي يصبو إليها كلُّ كاتب من حيث المبدأ: أن يكون مقروءًا وأن تطال كتاباته أكبر عدد من القراء. وهي آفة هذه الجوائز التي ما إن تمنح وتقوم حولها ضجة صحفية تدوم يومًا أو بعض يوم حتى تهمد ولا يذكر أحدٌ هذه الجائزة سوى أصدقاء الفائز ومن كان منافسًا له”.

واستطرد: “الجوائز التي تمنح في الغرب، وفي فرنسا على سبيل المثال، تستدعي إذ تُمْنَحُ عددًا من القراء لشراء العمل الأدبي الذي منح الجائزة وقراءته لم يكن الفائز يحلم بالوصول إليه من قبل. عددٌ يبلغ أحيانا ثلاثمئة ألف قارئ وأحيانًا يتجاوزه. في حين أن قيمة الجائزة المادية تكاد لا تتجاوز عشرة يورو! تبدو وظيفة هذه الجائزة إذن مجرد دليل للقارئ إلى المُبدَع الذي تراه الأفضل هذه السنة أو تلك في الرواية أو في الشعر أو في النقد. ويقوم الجمهور الواسع إذ يعمل برأي اللجنة في تكريم الكاتب بقراءته وبشراء كتابه الذي سينال حصة من ريعه.. هذا فضلاً عن الجو الثقافي الحيوي الذي يتيحه موسم الجوائز على صعيد النشر والنقد والمتابعات النقدية في وسائل الإعلام على اختلافها”.


انكماش التفاعل


وبسؤاله عن رؤيته لوضع الأدب العربي ومكانته من الأدب الغربي قال عرودكي: “لا أرى أن بوسعنا الحديث عن “تقدم” أو “تأخر” في مجال الثقافة عمومًا. من الأدق أن نتحدث عن ازدهار أو انكماش، عن خصوبة أو عن قحط، مثلاً. يعرف الأدب في كل اللغات هذه الضروب من الأزمنة مثلما يعرفها أدبنا العربي. لا أرى من وجهة نظري أن الأدب في الغرب يعيش مرحلة ازدهار استثنائية. ولا الأدب في العالم العربي كذلك. هناك تحولات في كل من العالمين بفعل التطور الهائل والسريع الذي تشهده الوسائل الرقمية ولا يزال كل منهما وخصوصًا العالم الغربي يحاول العثور على مرتكزات من أجل التأقلم معها. لكن عالمنا العربي لا يزال شديد البعد عن البحث عن هذه المرتكزات بما أنه لا يزال يستورد هذه الوسائل ولم يتمكن من إنتاجها بعد.

يبدو الوضع السياسي الحالي بعد أن صار رهن القوى الكبرى والإقليمية شبه مغلق على الصعيد السياسي لكنه لا يزال مفتوحًا على الدمار والتخريب

يضاف إلى ذلك كله وضع القراءة في العالم العربي ومشكلات النشر على كل مستوياتها فضلاً عن انكماش تفاعل الثقافة العربية الآن مع الثقافات الأخرى في العالم من خلال ما يُترجَمُ إلى العربية والذي لم تكفّ التقارير الدولية منذ سنوات عن الإشارة إليه ودق نواقيس التنبيه حتى لا نقول الخطر.. لكن هذه المشكلات كما يمكن أن نرى لا تنفصل بحال عن وضع العالم العربي عمومًا منذ أكثر من أربعين عاماً، أي منذ انهيار المشروع القومي والمشروع الاجتماعي في عالمنا العربي بعد أن احتلت المشهد نظم استبدادية وسلطوية.

وفيما يتعلق بالمشهد الثقافي السوري نوّه عرودكي إلى أن: “أهم ما كشفت عنه الثورة السورية مع انطلاقها تلك الأصوات الجديدة غير المعروفة من قبل، التي بدأت تنطلق في فضاء الشبكات الاجتماعية أولاً ثم على صفحات مختلف الصحف العربية المقيمة أو المهاجرة، الورقي منها والإلكتروني. حيث برزت أسماء كثيرة جديدة تعبّر عن ملامح الأجيال الشابة الواعدة، وبدأت أسماء كثيرة أخرى كانت السجون قد غيّبتها طوال سنوات وسنوات تعبّر عن شخصيات حامليها وفكرهم ومواهبهم: في البحث أو الفكر الاجتماعي ـ السياسي؛ وفي الأدب الروائي، وفي الشعر بطبيعة الحال”.

وأضاف : “الأهم أيضًا، هو ثورة هذه الأسماء على المؤسسات الثقافية القائمة قبل الثورة والتي كانت ضربًا من مؤسسات صُمِّمَت للتطويع والتهجين والإخضاع، حسب الحالة. فقد بدت هذه الأخيرة بسرعة لم تكن متوقعة هياكل تنتمي إلى عصر سحيق مضى لم تكن فيه شيئًا مذكورا. وانطلقت محاولات ومبادرات لاستبدال هذه المؤسسات في تجمعات جديدة..لم يكن الأمر سهلاً ولن يكون بعد أكثر من نصف قرن من التهجين والتطويع.. لكن كل حركة من هذا القبيل كانت تعبّر عن رغبة عميقة في القطيعة مع ماض قريب وفي تجديد ٍ يطال كل شيء، بما في ذلك السلوك الفردي والجمعي.. هذه الحركة الثقافية هي اليوم في قلب العمل، في كل مكان، حيّة، نشيطة، خلاقة، مفعمة بالآمال وبقدرها من الخيبات.. لكنها حركة قائمة لن يصدها عن الاستمرار قنوط هنا ويأس هناك، ولن ينال منها سلوك يعيد إنتاج أنماط من الشخصية الثقافية الانتهازية أو الخانعة أو السلطوية”.

وعن تقييمه للإصدارات الروائية الصادرة خلال تلك الفترة، قال عرودكي: “الكتابة الروائية ثمرة اختمار طويل قوامه التجربة الحياتية والثقافية. وليس من الممكن أن ننتظر ونحن نعيش حدَثًا بمثل ما انطوى وينطوي عليه الحدَثُ السوري من تطورات درامية ومأساوية وفواجع أن يتم استيعابه في تخييل روائي بمثل هذه السرعة. وما صدر من كتابات روائية خلال هذه الفترة كان أقرب إلى محاولات فهم الحدث من خلال التخييل الروائي أكثر من قولها له. ولا بد من أن نلاحظ أن مجمل الكتابة الروائية في سوريا خلال السنوات الأربعين الأخيرة لم تقم باستثناء عدد قليل جدًا من الروايات بالحفر في أرض المشكلة السورية بحثًا عن الجذور، جذور ما نعانيه الآن على المستويات جميعها، والذي كشفت ثورة السوريين الغطاء عنه في شهر آذار 2011″.

أما فيما يتعلق بالدور الذي يتعين على المثقف السوري القيام به في ظل الأزمات المتلاحقة قال عرودكي: “لنتفق أولاً على ما نعنيه بالمثقف. هو ـ كما عرفه ببساطة الكاتب والناشر فاروق مردم بك ـ من يعمل في الحقل الثقافي. بهذا المعنى لابد كما أرى أن يكون دور هذا المثقف هو دور الناقد الدائم لكل ما تقوم به ضروب السلطات على اختلافها، السياسية منها والدينية والحزبية والوقوف على الدوام على القطب الآخر منها جميعًا. لهذا عندما يتماهى المثقف مع السلطة، ويصير جزءاً لا يتجزأ منها يفقد في نظري صفته كمثقف، ومن ثمة فكل ما يقوم به هو جزء مما تقوم به السلطة التي يؤلف جزءًا منها وهو ما يستوجب النقد أو الرفض أو الاستنكار أو المقاومة بكل وسائلها المشروعة”.

ما صدر من كتابات روائية خلال هذه الفترة كان أقرب إلى محاولات فهم الحدث من خلال التخييل الروائي أكثر من قولها له

واستطرد: “لا بد من الاعتراف بأن عددًا كبيراً ممن يعملون في الحقل الثقافي من السوريين انقلبوا على هذا الدور وتماهوا في السلطة مبررين ومفلسفين ومحامين كما لو أنهم هم السلطة ذاتها. بذلك فقدوا مصداقيتهم حتى لا أقول مشروعيتهم منذ أول كلمة همسوا بها ضد ثورة الشعب الذي ينتمون إليه. لكن عددًا كبيرًا آخرَ من المثقفين برزوا في المقدمة على الساحة السورية، وبتنا نرى وجوهًا جديدة، وأصواتًا جديدة بل ونبرات مبتكرة، شابة كلها، تعيد للمثقف ألقه وشرف مهمته. الأسماء كثيرة، وهي موزعة في كل الفضاءات الثقافية، قاسمها المشترك الأعظم يتجسد في كلمة: لا، ثم يتباينون في ما وراء ذلك، وهو ما يضفي على مشهد المثقفين السوريين حركيته وسطوعه”.


مطامح الشعب

وانتقالًا للحديث عن الحالة السياسية في سوريا أوضح عرودكي أن: “الوضع السياسي الحالي في سوريا بات شديد التعقيد نتيجة الخيارات التي اتخذها النظام منذ اليوم الأول في مواجهة ثورة الشعب السوري. وقد أدت هذه الخيارات التي اعتمدت العنف غير المحدود إلى أن تصير سوريا بوجود النظام وبمساعدته وبالتسهيلات التي قدمها ولا يزال مسرحاً لذيول كل القوى التي تريد تحقيق أجنداتها عبرها من خلال سوريا وعلى حساب الشعب السوري. لم تكن المعارضة السياسية التقليدية التي تقدمت لتعلن عن نفسها ناطقة باسم الثورة، من جهة أخرى، على مستوى مطامح الشعب الذي خرج يواجه الرصاص والعنف من أجل حريته وكرامته ولا جديرة بتمثيله، ولا على مستوى التضحيات التي بذلها حتى الآن؛ فقد كانت تعيد بصورة أو بأخرى إنتاج النظام في سلوكه وفي خياراته دون أن تملك أدواته ولا مهاراته التي اكتسبها على امتداد خمسين عامًا”.

وأضاف قوله: “يبدو الوضع السياسي الحالي بعد أن صار رهن القوى الكبرى والإقليمية شبه مغلق على الصعيد السياسي لكنه لا يزال مفتوحًا على الدمار والتخريب الذي يقوم به النظام وكافة القوى التي تقف إلى جانبه أو التي تقاتل لحسابها ثم يقوم هو بتجيير نتائج ما تقوم به لحسابه”.

واستطرد: “أما المبادرات التي تطرح على الساحة بين الحين والآخر فهي مع افتراض حسن النوايا ليست أكثر من محاولات يقوم بها أشخاص أو جماعات لا ثقل سياسيا حقيقيا لهم. ومن ثمة فلن يكون نصيبها أكثر من نصيب محاولات سابقة قامت بها الأمم المتحدة والجامعة العربية بدعم من القوى الكبرى.. لقد كُتِبَ على الشعب السوري أن يعيش مأساة غير مسبوقة في تاريخ الشعوب.. ومن المؤسف أن نهاية النفق الذي أدخله النظام فيه لا تزال غير مرئية”.

12