بدل عن ضائع

المجمعات السكنية في لبنان هُندست كبديل مُصغر عن مدينة ووطن يحلم بهما اللبنانيون، حيث يعم الوئام وتؤمن فيه أبسط حقوق المواطنة.
الجمعة 2018/11/30
من أعمال الفنان م. سي. إشير

منذ مدة قمت بزيارة الكثير من الشقق السكنية بحثا عن مسكن جديد أكثر رحابة حتى اختلط بذهني كل ما رأيت، أما الآن وبعدما عثرت على ضالتي، أستذكر ما رأيته من منازل داخل وخارج بيروت، فلا أجد مكانا واحدا مكث في ذاكرتي بكل تفاصيله بقدر بيت عصري واحد مبنيّ ضمن ما جرى على تسميته بـ”مجمع سكني” تكاثرت أمثاله في لبنان بشكل هائل في السنوات الأخيرة.

أول انطباع تركه في نفسي ذاك المجمع أنه أكثر من مكان تخلد إليه في آخر النهار، هو أسلوب حياة يسوده النظام والتشابه في الهندسة الخارجية للمُنشآت التي تتضمنه، مكان تشترك في الحفاظ على صورته ومنطقه مجموعة غير قليلة من السكان رأيت بعضهم يتجولون ويتحادثون.

تعددت المباني والمساحات الخضراء التي يحتويها المجمع، فهناك إضافة إلى المنازل، ناد رياضي، وملعب للأولاد، ومسبح عام لأهل المجمع ومقهى وبعض المطاعم وشوارع داخلية تقع على بعض أطرافها مقاعد.

صاحب المشروع أخذني يومها في جولة بدت لي، منذ اللحظة التي تجاوزت فيها بوابة المجمع الكبيرة التي يحرسها حرس خاص بعضهم مسؤول عن أمن المجمع الداخلي، كجولة سياحية خطفتني من ضوضاء السياسة وفسادها والمشاكل اليومية التي تتراكم ويعيشها اللبناني على مضض وفي ما يشبه التأقلم معها.

غير أن هذه الجولة طالت وأخذتني بأفكاري إلى ما هو أبعد منها، لا سيما وأن مندوب الجولة أخبرني عن السياسات الصارمة التي يتبعها كل من صار فردا من هذا المجمع، سياسات أود أن أسميها ببنود المواطنة البديلة، أهمها أن يتعهد كل من يعيش داخل المجمع بعدم إشهار دينه بأي مظهر من المظاهر على باب بيته، وأن يتشارك مع الآخرين في دفع مصاريف المجمع والحفاظ على نظافته، كما يتعهد بالمشاركة في اجتماع دوري يترأسه مداورة الساكنون في المجمع ليبحثوا في شؤونه وسبل تحسينه، كما أكد لي “عريف الجولة” أن في المجمع كهرباء 24 ساعة على 24 والماء موجود على الدوام، وهذه ميزات يفتقدها اللبناني خارج “أسوار” المجمع.

وجدتني أكثر استيعابا للأسباب التي دفعت العديد من أصحاب المشاريع إلى أن يقيموا مجمعات “جنائنية” مختلفة يحلو العيش فيها وتحمل أسماء فانتازية وحالمة كـ”تل الياسمين” و”مجمّع القمر الأحمر” و”تل الورد” و”بيت مسك” وغيرها من الأسماء، فالأكثرية الساحقة من اللبنانيين باتوا ومنذ سنوات عديدة لا يعولون على الدولة في أي شيء ولا يثقون في ما تقدم لهم، وغدوا يؤمّنون لذواتهم ما وجب على دولتهم أن تؤمنه، كما باتت الكثير من أحيائهم ومناطق عيشهم مغلقة تحاول أن تبني اكتفاء ذاتيا ما، خارج منطق الدولة الواحدة والقوية.

في هذا السياق تشبه هذه المجمعات الخيالية/ الواقعية المجمعات السكنية العجائبية/ العادية التي رسمها الفنان الشهير م.سي.إشير، وتشبه بالتحديد لوحة اسمها “ليلا نهارا” يتجاور فيها الليل والنهار والمعقول والخيالي على بقعة جغرافية تشبه خارطة لعبة الشطرنج، ويمكن فيها “للاعبين” أو السكان أن يعيشوا “المستحيل” في بلد كلبنان ووفق رؤيتهم الخاصة، ولكن من ضمن نظام ما مؤلف من البديهيات والأشكال المألوفة.

المجمعات السكنية  في لبنان هُندست كبديل مُصغر عن مدينة ووطن يحلم بهما اللبنانيون، حيث يعم الوئام وتؤمن فيه أبسط حقوق المواطنة، بنيا على أساس منطق يشبه منطق م.سي.إشير، حينما قال “من السذاجة أن ترسم بضعة خطوط وتقول: هذا بيت، لكن الموضوع ليس البيت إنما غرابة ما صنعت يداك من خيطان الواقع”.

ويستكمل قول الفنان معناه، بقول آخر له “نعم.. نعم نصعد ونتخايل أننا نصعد هذه السلالم في تلك المنازل، لكن إلى أين نحن في مسعانا؟ إلى لا مكان”. ويشبه هذا اللا مكان الذي رسمه وتحدث عنه الفنان المجمّع الذي زرته: فضاء معزولا عن كل ما يحيط به وسجنا جميلا مكللا بالأشجار لن يفلح أبدا بأن يكون بدلا عن وطن ضائع ومُتعة السكن إليه.

17