بدو النقب الحلقة الأضعف في حملة التطعيم الإسرائيلية

تهميش ممنهج لبدو النقب الذين يعتبرون النقطة السوداء في عملية التلقيح.
السبت 2021/02/27
بدو النقب ليس في قائمة لقاح فايزر

يخشى كثيرون في تل عراد من أن يبدّل اللقاح جيناتهم أو يجعلهم عقيمين أو أن يحتوي حتى على شريحة إلكترونية مجهرية تسمح لأجهزة الأمن الإسرائيلية بتعقّبهم.

تل عراد (إسرائيل) -  يشتكي البدو في عمق صحراء النقب، والذين يقطنون قرى تعتبرها إسرائيل غير شرعية، من أن عدد المنازل التي تم تدميرها يتجاوز عدد سكانها الذين تلقوا لقاحات كورونا، ما دفع المتابعين إلى اعتبارهم “النقطة السوداء” في حملة التطعيم التي ترى تل أبيب أنها الأنجح على مستوى العالم.

ويبلغ تعداد البدو في صحراء النقب حوالي 290 ألف نسمة، وهم جزء من الأقلية العربية الإسرائيلية، التي يتحدر أبناؤها من الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948. ويعيش نحو 60 في المئة منهم في قرى أو بلدات معترف بها رسميا. ويمثل العرب حوالي عشرين في المئة من التسعة ملايين لسكان إسرائيل.

ويعتبر المراقبون أن إسرائيل في الصدارة عالميا لجهة عدد عمليات التطعيم بالنسبة إلى عدد السكان، إذ حصّنت نحو ثلث سكانها البالغ عددهم تسعة ملايين

ضد كورونا باستخدام جرعتي لقاح فايزر/ بايونتيك. وأكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن السلطات في طريقها لتطعيم كافة السكان البالغة أعمارهم فوق 16 عاما بحلول نهاية الشهر المقبل.

لكن في القرى البدوية “غير القانونية” في صحراء النقب القاحلة في جنوب إسرائيل يعتبر معدّل عمليات التطعيم نحو اثنين في المئة فقط، كما تشير إلى ذلك البيانات الرسمية.

ويشير سكان تل عراد إلى أن موظفا صحيا واحدا لم يزرهم منذ بدء الوباء، بينما تواصلت أوامر الهدم التي تستهدف منازل تم بناؤها من دون تراخيص يعد الحصول عليها أمرا مستحيلا. ويؤكد عدنان العباري، الذي يعمل في مجال الصيانة بمدرسة في القرية “لا أحد تلقى اللقاح هنا”. ويضيف “البيوت التي هدمت أو تلك المهددة بالهدم أكثر من عدد الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح”.

وعاش البدو في صحراء النقب على مدى أجيال، لكنهم تعرّضوا إلى التهميش في ظل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وعادة ما يعانون من الفقر. وقد غذّت جهود الدولة العبرية لنقل البدو إلى بلدات معترف بها التوتر.

وتشير رابطة الحقوق المدنية في إسرائيل إلى أن تل عراد، التي لا تحظى بالكهرباء أو المياه الجارية، ليست إلا واحدة من عشرات القرى البدوية غير المعترف بها في المنطقة.

تقصير إسرائيل في تطعيم بدو النقب يرافقه تشكيك من سكان المنطقة، كقرية تل عراد، في لقاحات كورونا

ويقول موظفو الرابطة إن كل ما هو موجود في القرية غير شرعي ولا يمكن شرعنته لأن القانون يعتبر أن لا وجود له. كما أنه لا يمكن لسكان القرى غير المعترف بها الحصول على تراخيص بناء، وبالتالي فإن الأبنية في تلك القرى مصنّفة على أنها “غير مرخّصة”.

وبحسب العباري، وهو أب لخمسة أبناء، فقد تم مؤخرا هدم منزل أحد جيرانه، ليتحوّل إلى كومة من الغبار والحديد. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية، وهو يشير إلى كوخ آخر أصفر اللون “هذا البيت تلقينا إخطارا لهدمه خلال شهر… لا يمر شهر دون هدم منازل في تل عراد”.

ولم تهتم إسرائيل ببدو المنطقة، حيث أكد العباري أنه منذ بدأ الوباء “بدل أن يرسلوا لنا ممثلين عن وزارة الصحة، يرسلون ممثلين من الشرطة ووزارة الداخلية أو وزارة الإسكان يضعوا إخطارات هدم لبيوتنا، بينما الناس يعانون في ظل كورونا”.

ولا تحظى تل عراد بخدمة إنترنت يمكن الاعتماد عليها، ما يجعل من مسائل ضرورية خلال تفشي الوباء كالتعليم عن بعد، أمورا صعبة المنال. ويؤكد العباري أن ابنه يوسف البالغ 12 عاما لم يتلق حصة تعليمية منذ أكثر من عام، بينما يتواصل الهدم.

ولم تمنع صعوبة الوصول إلى الإنترنت نظريات المؤامرة المناهضة للقاحات من الانتشار عبر واتساب أو الرسائل النصية أو شفهيا.

ويخشى كثيرون في تل عراد من أن يبدّل اللقاح جيناتهم أو يجعلهم عقيمين أو أن يحتوي حتى على شريحة إلكترونية مجهرية تسمح لأجهزة الأمن الإسرائيلية بتعقّبهم.

لكن على الرغم من وجود عيادات ومدارس وخدمات عامة فيها، حصل، بحسب الأرقام الرسمية، أقل من خمس سكان هذه المجتمعات على جرعة واحدة من اللقاح.

وقال مازم أبوصيام وهو طبيب ينسّق حملة التطعيم لبدو النقب إن “الأنباء الكاذبة تنتشر أسرع من المعلومات الحقيقية. هناك فعلا مخاوف من الآثار طويلة الأمد”. وأضاف “نحن مجتمع تقليدي ومن الصعب إقناع الناس بتلقي اللقاح وتقبّل أي تكنولوجيا جديدة”.

وحقق المحامي جامع أبوعودة في مدينة رهط البدوية التي تعد 22 ألف نسمة انتصارا صغيرا على هذا النوع من المخاوف وبعدما تحدّث لأقاربه عن فوائد اللقاح، تمكّن من إقناع والدته بتلقيه. وقال بينما حقنت ممرضة والدته الواهنة في ذراعها “الجميع يخاف (من اللقاح). وجدنا أن هناك بلبلة وتخوّفا كما أن هناك أناسا لا تقرأ ولا تعرف”.

وأرجع المسن إبراهيم ليمور، الذي يقطن في قرية كسيفة، حيث تلقى أقل من 10 في المئة من سكانها اللقاحات المضادة لفايروس كورونا، التخوّف إلى “الجهل” بالدرجة الأولى. وقال “الرسول قال لكل داء دواء.. الدواء هذه المرة هو اللقاح”، وهو ما أكده أبوصيام بأن البدو باتوا أكثر تقبّلا للقاح في القرى المعترف بها. وقال “بدأنا للتو تجاوز الخوف. آمل أن تكون هذه بداية نهضة”.

6