بديع الزمان الهمذاني أول مديني يعرفه الأدب العربي

"المقامات" كتاب للهمذامي لا تزال معانيه صالحة في عصرنا حيث يدعو للتنوع الثقافي والحوار والاستقرار المديني الضامن للتعايش السلمي.
السبت 2020/03/21
فن يعكس مرآة عصره

الشعر يصنعه الريفيون، لكن النثر يخطه أهل الحضر.. مقولة تؤكدها مقامات بديع الزمان الهمذاني، هذا الكتاب التاريخي الذي عكس مرآة عصره (بغداد العباسية) لكن لا تزال معانيه وعبره وقصصه صالحة في هذا العصر وغيره، حيث الدعوة للتنوع الثقافي والحوار والاستقرار المديني الضامن للتعايش والقبول بالآخر.

إحدى وخمسون مقامة من القص والفطنة، والحكمة والعبرة والضحك، كان قد جمعها الموثقون والنساخون، لرجل كان، بحق، بديع زمانه في القرن العاشر.. إنه أبوالفضل أحمد بن سعيد بن يحيى بن بشر، المعروف ببديع الزمان الهمذاني. ولد صاحب أشهر مقامات خلدها تاريخ الأدب العربي في همذان، ببلاد فارس عام 969 وتوفي مسموما سنة 1007.. هل أن من الحكمة أن يموت غالبية المبدعين مسمومين؟

لم يتخط أظرف أهل عصره، وأكثرهم ذكاء وحنكة، أربعة عقود من عمره، لكنه ترك بصمته على جنس أدبي يكاد يكون مؤسسا له بلا منازع.. إنه فن المقامة التي نشأت وانطلقت من رحمها كل ضروب القصة القصيرة في الشرق والغرب، على مختلف مشاربها.

المدن سيدة المقام لدى الهمذاني، وأهلها هم أبطال السرد وصناعة الحدث في “مجموعة قصصية” تضم 51 متعة من الروي والإضحاك والإدهاش، ومختلف أنواع اللعب في المبنى والمعنى، وعرض العبرة والمعلومة بطريقة السجع في عصر الزخارف والمحسنات البلاغية.. أليست المدينة هي الفضاء الأمثل لفن الاحتفاء بالتفاصيل؟

كل شيء في بغداد العباسية وما جاورها من الحواضر، كان يشي برغد العيش واستتباب الأمن وترف التمتع بالملذات، لذلك كان لزوما على الأدباء أن يعكسوا في كتاباتهم ما آلت إليه المدينة المبنية على التنوع والاختلاف، من تفاصيل تقطع مع ثقافة البادية ونزوعها نحو الحدة في الطباع والآراء.

الفكر المعتزلي الجانح نحو الفكر الأرسطوي وحب الحوار، التنوع الثقافي المازج بين العرب والفرس، والاستقرار المديني الضامن للتعايش والقبول بالآخر.. كلها أمور جعلت من مقامات الهمذاني فنا يعكس مرآة عصره.

لا مكان للعصبيات والتشنج والتنابز بالألقاب في مدن تفخر بتنوعها، لذلك كان الظرف والمزاح أفضل خصلتين تطبعان حياة المدن التي بدأت تتشكل بفعل المتاخمة، وحتى التصادم والحوار.

أصل عربي

بديع الزمان الهمذاني، لم يكن فارسيا حقودا وشعوبيا كارها كما تزعم بعض الدراسات المغالية في عروبيتها، ذلك أنه كان، وكما تثبت المراجع، من أسرة عربية ذات مكانة علمية مرموقة استوطنت همذان. وكان يفتخر بأصله العربي إذ كتب بإحدى رسائله إلى أبي الفضل الأسفرائيني “أني عبدالشيخ، واسمي أحمد، وهمذان المولد وتغلب المورد، ومضر المحتد”. إذن، لقد أسقط بما في يد القائلين إنه من أصول فارسية، يضمر الحقد على العرب، ويريد إهانتهم بدعوى أنهم من أهل البادية ولا يرجى أو ينتظر منهم إبداعا في المحيط الحضري الذي تشكل في أتون الدولة العباسية.

كشف الرجل عن أدب حرر النثر من الشعر، وانتصر لقيم جديدة تعتني بالتفاصيل وتحتفي بالمفارقات الإنسانية وتناقضاتها في بعدها النفسي والاجتماعي، ولم يلتفت إلى قواميس البدو التي تزخر بالتعرض والتعريض، وذم الأفراد وإلحاقهم بأسماء قبائلهم ومنابتهم.

بطلان يتناوبان على كل حكاية من مقامات الهمذاني، وهما عيسى بن هشام، وأبوالفتح الإسكندري.. الأول راو يكتفي الهمذاني بذكر اسمه قائلا في كل مقامة “حدثنا عيسى بن هشام، قال..”، والثاني محتال، صانع للحدث، يدعى أبوالفتح الإسكندري.

تقنية سرد مدهشة قد تمزج صوتي الراوي والبطل في مقامة واحدة، ويطل من خلالها الهمذاني برأسه ولسانه السليط شارحا أو مفسرا.. يدعي الحياد، لكنه ليس بذاك الحياد.

ينتصر بديع الزمان لفكرته دون أن تحس أو تدري، وسيلته في ذلك هي اللغة.. ولا شيء غير اللغة.. كيف لا وهو الذي امتلك ناصيتها وجعلها وسيلته الوحيدة في الحكم والتحيز والانتقام والإضحاك.

مقامات الهمذاني لا تحمي المغفلين، تنتصر للأذكياء، وحتى المحتالين منهم في تجمعات الحضر، ولكنها، في المقابل، تضحك من ضعاف الحيلة وتجعل السجع اللغوي متكئا لها في تلك اللعبة التي تتآمر فيها اللغة على أصحابها.

أول انتصار تسجله المدينة على أهل الريف والبادية كان على لسان الهمذاني في مقاماته.. إن في ذلك بحثا شديد التعقيد يمكن أن يُلقى به في ملعب علماء النفس والاجتماع عند العصر الحديث.

للمدينة أدبها

المقامات.. كتاب يسخر من الحمقى ويحتفي بالتفاصيل
المقامات.. كتاب يسخر من الحمقى ويحتفي بالتفاصيل

زخر الأدب العربي القديم بحكايات ووقائع ينتصر فيها البدوي على الحضري، وذلك بفعل الفصاحة والبداهة وامتلاك ناصية اللغة، لكن الهمذاني جعل من السجع الساخر من القوافي العروضية أسلوبا للقول إن المدينة لها أدبها أيضا.. فتوقفوا عن هذه العجرفة البلهاء.

الشعر يصنعه الريفيون، لكن النثر يخطه أهل الحضر.. مقولة أكدها بديع الزمان الهمذاني في ما يقارب الخمسين مقامة، تنوعت بين الشعر والنثر، وتوزعت بين المدن.. تقاسمها بطلان محتالان، حدد لكل منهما الهمذاني ملامحه، وجعله محببا ومحبوبا، وكأنه يؤسس لذائقة أخرى. نعم، لقد أسس بديع لمزاج مختلف، مقامه الضحك، وملخصه أن “لا عزاء للحمقى والموتورين والمتفذلكين”.

نظن، نحن كعرب، أنه يحق لنا الاحتفاء  بـ”تشيخوف العصر العباسي”، والذي خرجت من عباءته في العصور الحديثة أسماء مثل محمود تيمور في مصر، علي الدوعاجي في تونس، وزكريا تامر في سوريا.

كل مقامات الهمذاني تصلح أن تكون أفلاما روائية قصيرة، ومكتملة الشروط الدرامية في عصرنا، ذلك أنها تعالج مشكلات لا تزال قائمة في أبعادها النفسية والاجتماعية والثقافية، وحتى السياسية.

أهم ما يميز الهمذاني هو التنوع في ثقافته التي أملتها تنقلاته فكانت ذريعة لعرض ملكته النقدية مثل المقامة الجاحظية التي تناول فيها بالشرح والتمحيص ما كتبه المفكر المعتزلي الشهير.. وهلم جرا من الأمكنة التي تبوح بها كل مقامة في قراءة بديعة للبلدان التي عاش فيها هذا الرجل البديع.

طوى الهمذاني بلاد فارس، من مسقط رأسه التي تتلمذ فيها على يد عدد من النحاة وعلماء الدين أبرزهم أحمد بن فارس ثم تنقل في حياته بين عدد من المدن والحواضر التي سطعت شمسها آنذاك. استقر فترة من الوقت في الري وكانت له منزلة خاصة عند صاحبها ابن عباد، ثم توجه إلى جرجان وحظي برعاية أبي سعيد محمد بن المنصور.

خاض مناظرات كان أشهرها في نيسابور التي دخلها مفلسا مثل بطله أبي الفتح الإسكندري، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يحظى بمناظرة مع أبي بكر الخوارزمي، أشهر أدباء وشعراء ذلك العصر، واستطاع بفضل فطنته وبلاغته وحسن عبارته، التغلّب والفوز في تلك المناظرة وهو ما حقق له المجد والشهرة، وجعل له مريدين كثيرين في كافة أصقاع بلاد فارس.

الهمذاني الفيلسوف

الدليل على صحة ما تقدم هو أن المستشرقين قد انتبهوا إلى أهمية ومكانة مؤلفات الهمذاني في الأدب العربي، وترجموها إلى اللغات الأوروبية، مثل سلفيستغ دو ساسي، الذي ترجمها إلى الفرنسية وأي فون كريمير إلى الألمانية، فهل أن مواطني دي موسي، أو شيلر، غافلان عن تراثهما الأدبي، حتى ينتبها للهمذاني، ويضعا تحت اسمه أكثر من سطر وعلامة تعجب واستفهام؟

السر والسحر الكامنان خلف مقامات الهمذاني، هما أنه جعل من الدنيا “مزحة” ووزعها بين شخص يوغل في الجدية والظن بما تظنه العامة، وآخر يستهتر بالمفاهيم السائدة ويلقي بها في مهب الريح، ضاربا عرض الحائط بمن يعتقد دائما بأنه على حق.

فلسفة الهمذاني ليست سهلة، ولا في متناول كل من يضحك للحكاية وعلى شخوصها في بعدهم الأول.. إنها تذكير بأن كل جملة تُقرأ من جميع أطرافها مثل مكعب متوه.

الدليل على ذلك، أن المقامة، وبشهادة ممن عاصروا صاحبها، تتضمن مناظرات في الدين ومواعظ وأحاجي شعرية، كما تقدم دروسا توعوية للناس لتحميهم من حيل اللصوص والشحاذين في ذلك الزمان، أي أنها ذات غاية نفعية بالغة الأهمية، وبمثابة النصيحة في أسلوب بيداغوجي مبتكر.

المدن سيدة المقام لدى الهمذاني، وأهلها هم أبطال السرد وصناعة الحدث في "مجموعة قصصية" تضم 51 متعة من الروي والإضحاك والإدهاش، ومختلف أنواع اللعب في المبنى والمعنى

ويرى أبوإسحاق الحصري في كتابه “زهر الآداب” أن الهمذاني قد أخذ فكرة مقاماته عن الأربعين حديثا لابن دريد. وكانت المقامة قبل الهمذاني تعني العظة كما ورد بكتاب “مروج الذهب” للمؤرخ العلامة المسعودي. بينما ذهب الجاحظ بمؤلفه “كتاب البلغاء” إلى وصف المقامة بأنها “الخطبة”. إلا أن استخدام الهمذاني للفظ “المقامة” على ما أنشأه أصبحت الكلمة مرادفة للرواية والحوار الممتع.

الدراما الكوميدية حاضرة بكل مواصفاتها في مقامات الهمذاني، إذ تبدأ الحكاية بمصادفة قد لا يعيرها القارئ انتباها، لكنها تتأزم وفق حبكة محكمة الصنع لتنتهي إلى ما يشبه الفاجعة، ولكن بأسلوب سردي يجعل تكتشف، وقبل قرون، أن ما يعرف بالتصعيد الدرامي، سببه نفسي أكثر منه واقعي.. أليس هذا ما أسسه السويدي سترنبيرغ، قبل أكثر من قرن على عصرنا؟

الإثارة والتشويف عبر لغة آسرة، تعتمد السجع وتستدرج القارئ نحو ورطة ممتعة.. هذا هو أسلوب الهمذاني، خفيف الظل، طري الأسلوب وماكر الحيلة كما في جميع شخصياته.

بديع الزمان، ترجّل من مقامه في المقامات، تحدث بلسان العامة، كشف مكر نواياهم، وتفطن إلى أن الأدب يمكن أن يكون ذريعة يستدرج من خلالها الكاتب قراءه إلى ما هو أدهى وأمر وأكثر تعقيدا مما يخاله النقاد السطحيون والعارفون المتحذلقون.

وفي هذا المقام يقول الباحث اللبناني بلال الأورفلي “أسّس الهمذاني في مقاماته لفنّ ترك أثرا كبيرا في الأدب العربي والعالمي، غير أن نص الهمذاني نص مفتوح لكثير من الأسئلة التي لا تتعلّق بتأويله فحسب، بل أيضا بجمعه وتكوينه وتاريخه وتداوله”.

لسنا بطبيعة الحال، عند مجرد عرض كتاب يعرفه هواة الأدب العربي القديم، بقدر ما نسعى للتنبه إلى مؤلف، غاية في الحساسية والخطورة، على مستوى المنطلق والغاية والوسيلة، ذلك أن كل قارئ بإمكانه الاطلاع على مقامات الهمذاني، كالجاحظية والبغدادية والشامية وغيرها، يستمتع بمتن الحكاية، يضحك لرزايات عيسى بن هشام ومغامرات أبي الفتح الإسكندري.. ولكن.. هل ينتبه لما أراد قوله بديع الزمان الهمذاني؟

هذه المقامات التي اعتلاها قديما واستخدمها الأديب والشاعر اليهودي الأندلسي يهوذا الحريري في كتابه “تحكموني” ثم أعاد الأديب اللبناني ناصيف اليازجي منتصف القرن الـ19  إحياء أسلوب الكتابة بالمقامات، حيث استخدمها في تأليف كتابه “مجمع البحرين”.

الهمذاني لم يكن يهذي، ولا يمزح.. ولا يروي مجرد مزح ونكات.. لقد كان يعرف ويقصد ما يقول.. فلننتبه إليه قبل كل هذا الأفول.

16