بذاءة المال

الثلاثاء 2014/01/21

بلغت أرباح عارضة الأزياء جيزيل باندشن، خلال العام 2013، 42 مليون دولار، فيما حصدت الممثلة أنجيلينا جولي مبلغ 33 مليون دولار (نصف هذا المبلغ تقاضته عن دورها في فيلم “الشريرة”).

أما راتب لاعب كرة القدم كريستيانو رونالدو عن كلّ موسم رياضي فلا يقلّ عن 23 مليون دولار. والذين يدفعون هذه المبالغ يربحون أضعاف ذلك بكثير…

وكانت شركة “نايك” الأميركية سبق أن دفعت للاعب كرة السلّة مايكل جوردان، لقاء إعلانات دعائية، عشرين مليون دولار، أي ما يوازي أكثر مما تدفعه لجميع موظفيها الأندونيسيين العاملين في صناعة أحذيتها والبالغ عددهم ثلاثمئة ألف عامل…

أمام هذه الأرقام وغيرها، لا يعود يفاجئنا قبول بعض كبار الممثلين والفنانين العالميين الترويج للسباغيتي والأجبان وساعات الرولكس، ومنهم، على سبيل المثال، مغنّي الأوبرا الراحل لوتشيانو بافاروتي والممثل جيرار دو بارديو وراقصة الباليه سيلفي غيّام.

كان المال دائما هو المنتصر، لكنه لم ينتصر يوما في تاريخ البشرية كما ينتصر اليوم، تساعده العولمة ويستفيد من الثورة التقنية ومن وسائل الاتصال الحديثة. للأغنياء القصور العائمة والشرفات العالية وأجمل النساء. لهم أرقى الفنادق وأحدث الطائرات واليخوت وأفخر النبيذ وأطايب المأكل والمشرب.

لهم الخدم والحراس الذين يعملون ليل نهار على تأمين راحتهم. ولنسائهم المدللات نظام أكل متوازن خال من اللكتوز والغلوتين، ولكلابهنّ فاكهة “البيو”…

كان يقال إنّ “من يحبّ المال إلى هذه الدرجة يكون بلا قلب”، لكن أيّ معنى يبقى لهذا القول حين يصبح قلب العالم نفسه هو المال؟ وحين القلوب كلها تتعلق به، وتنتظر التفاتة منه، وتتحمّل من أجله ما لا يحتمل.

ثمّ إنّ المردودية المادية لتدمير الأرض -على المدى القصير، بالطبع- أكبر بكثير ممّا يوفره الحفاظ عليها. والحال هذه، لا عجب أن تتقلّص غابة الأمازون ويذوب الجليد القطبي.

لا عجب أن نتنشّق هواء مسموما، ونشرب ماء ملوثا، ونأكل طعاما مشكوكا في أمره. لا عجب أن تتسرطن الخلايا قبل الأوان… العافية للمال!

نحن نعيش في زمن ديكتاتورية الأسواق المالية التي تهدّد السلام والديمقراطية، حسب تعبير ستيفان هيسيل.

نعيش على وقع علاقات اقتصادية قائمة على الصراع بين الدول العظمى نفسها، وحيال المجتمعات الخاضعة لها.

في العالم الثالث، حفنة دولارات تكفي لاقتناء خادمة واغتصابها ودفعها إلى الانتحار. بسبب المال يموت طفل في العالم من الجوع كل خمس ثوان، في حين “ينفزر” المتخمون من الأكل… بسبب المال، يتمّ استغلال الفتيات القاصرات وتزويجهن، ولا سيما اللواتي هربن من “نظام البراميل” ومن داعش والنصرة معا. المال هو الوجه البربري للحضارات الإنسانية.

يصون العبودية ويحميها. يشتري الأجساد والذمم، ويموّل الحروب. ميزانية الأسلحة في العالم (للعام 2011) بلغت 1،7 تريليون دولار!

المال يصنع التايتانك ويدفعها نحو الغرق لأنّ التقدم العلمي يمكن أن يأخذ العالم إلى الهاوية إذا كان همّه الربح فحسب، وإذا كان مجردا من النزعة الإنسانية.

المشكلة هي أنّ الذين يبحثون في قمامة الأثرياء عن كسرة خبز، لو وجدوا أنفسهم في المقلب الآخر، لفعلوا الشيء نفسه.


*شاعر وكاتب من لبنان مقيم في باريس

14