بذاكرة مزيفة أكتب قصة

الأحد 2015/06/14
نرتحل كالبدو من مكان إلى آخر بحثاً عن أناس نتحد معهم

من ممالك أوروبا القديمة، مملكة صغيرة عشت فيها سنين طويلة، لست أعرف الآن موقعي في هذه المملكة لكنّ ملكها كان عادلاً رحيماً وكانت له زوجة جميلة، سكّان هذه المملكة كان عددهم قليلا فمعظمهم يعمل لدى حاكم البلاد والقلة القليلة الباقية تعمل معه، ولقلة عددنا قررنا –جميعاً- الترحال، لم يكن يزور مملكتنا زوار ولا يعبرها مسافرون، كانت نائية عن أيّ طريق، ولم تكن لها مع أيّ دول أدنى علاقات.

بدأنا نرتحل كالبدو من مكان إلى آخر بحثاً عن أناس نتحد معهم ويكثر عددنا، سافرنا كثيراً ولم نجد أحدا في طريقنا إلا حيواناتٍ رافقتنا برضاها وانضمت إلى حيوانات مملكتنا التي ارتحلت معنا، أذكر شيئاً غريباً جمع بين كل الحيوانات حتى لم يفترس بعضها بعضاً، بل كانت عندما تجوع تأتي على واحد منا.

تابعنا –لن أقل طريقنا فلم يكن لنا طريق- سيرنا حتى وصلنا إلى مصر التي لم نسمع عنها من قبل، قابَلَنا سكانُها بالترحاب وأبدوا إعجابهم بما أقدمنا عليه حتى أن ملكهم –وكان يُدعى أحمد- عرض رسالة مليكنا له على البروجكتور أمام الجميع، وأثنى على خطابه الذي لم يتجاوز سطرين وأشاد بأسلوبه ولغته، ثم عـُرض بعدها -ودون أدنى ترتيب من أحد- فيلم ما على نفس البروجكتور وفي نفس المكان وقد حضرناه مع سكان مصر في رعب عميق، أؤكد أن الفيلم عـُرض لوحده وذُهِل به الجميع، فيلم لم يعدّه أو يخرجه أحد، فيلم حقيقي يحكي واقع ما كان سيحصل لو أننا أتينا غزاة على أرض، أيّ أرض.

شاهدنا الفيلم ونحن نرتجف من هول ما نرى، دماء وقتلى وتشريد وجوع وحرب تأتي على الجميع –الغزاة وسكان الأرض- عدا الحيوانات التي أخذت موقفاً محايداً، فلم تشترك ولم تخسر.

بدأ يحتضن بعضنا بعضاً ويطمئن كل منّا الآخر، نحن نشرح أننا لم نفكّر أبداً في احتلال غيرنا وهم يؤكدون معرفتهم بحسن نوايانا حتى أخذ هذا الشكل التضامني شكل دفاع عن النفس، وراح كل طرف يرافُع ويدافع عن موقفه وكأن الآخر يتهمه، نسينا ما كنّا عليه، واحتدم الجدال إلى درجة ظن كل فرد منا ومنهم أن الجميع أعداؤه وأن الجميع يريد النيل منه، تداركنا ما نحن فيه وقررنا أن نتبادل خلايا أدمغتنا التي صوّرت لنا الفيلم، واكتشفنا بعدها أنه لم يكن ثمة بروجكتور، وألفينا أنفسنا نبيع ونقايض شرائح إلكترونية صغيرة تحمل ذاكرة كل فرد من أفراد المملكتين حتى صار الكل يفكر في أن يغيّر ذاكرة حياته ويبدل في ماضيه ليشتري حاضراً مختلفاً..

فُتِح السوق، ولم يرضَ بعدها أيّ حيوان أن يلتهم واحدا فينا يحمل ذاكرة مزيفة، فماتت من الجوع، وأذكر الآن أني كنت أعمل على راحة حيوان ما في مملكتي وأني حزنت جداً على موته وقررت أن أضرب عن الطعام حتى الموت، لكني لم أستطع.

كانت أرض مصر صحراء، وعندما ماتت الحيوانات لم نجد من يُطعِمنا فبدأ يأكل بعضنا بعضاً من غير حرب. زاد عددنا فضاقت بنا الأرض وضاقت علينا، فقرر سكان مصر الرحيل عنا وعنها.

كاتبة من فلسطين مقيمة في غزة

12