بذرة الفشل ننتزعها أو ننميها

كل الألمان اتفقوا على حقيقة واضحة قبيل المونديال تفيد بأن منتخب بلادهم ليس في أفضل حالاته إذ لم يقدر على استغلال فترة التحضيرات بالشكل المطلوب كي ينطلق بالسرعة القصوى نحو الأراضي الروسية للدفاع عن لقبه العالمي.
الثلاثاء 2018/06/19
المنتخب الألماني تدحرج في إطلالته الأولى من علو شاهق إلى الأسفل

سقط المنتخب الألماني حامل اللقب العالمي في الكمين، حيث تدحرج في إطلالته الأولى من علو شاهق إلى الأسفل. تعطّبت “الماكينات” وسكنت حركاتها في اختبار المونديال الروسي الأول، حيث انحنى أبناء المدرب يواكيم لوف إجلالا أمام صلابة المنتخب المكسيكي الذي نال جائزته المثالية وحاز النقاط الثلاث بعد أن تمرد على كل النواميس والقواعد وضرب المنتخب الألماني في مقتل وكشف كل عيوب هذه “الماكينات”.

أكد البعض أن كأس العالم لسنة 2018 هي مونديال المفاجآت بامتياز، إذ ترنح المنتخب الأرجنتيني واكتفى بتعادل مخيّب مع أيسلندا. فشل أيضا المنتخب البرازيلي في تخطي عقبة المنتخب السويسري، لكن السقوط “الكبير” للمنتخب الألماني المتوج بالكأس الماضية والذي أظهر مؤهلات “جبارة” منذ أربع سنوات بالبرازيل كان الحدث الأبرز إلى حد الآن. كان السقوط الأكثر إيلاما خاصة وأن منتخب “المانشافت” يعتبر من أقوى وأبرز المتراهنين التقليديين على اللقب العالمي.

ماذا حدث بالضبط حتى تصاب “الماكينات” بالشلل التام؟ كيف كان حماس الكتيبة المكسيكية أقوى بكثير من انضباط وصرامة الألمان؟ لكن الأهم من كل ذلك هل سيتم سريعا إصلاح العطب وتعود “الآلة” الألمانية للعمل بأكثر دقة؟

ربما يتوجب الوقوف عند بعض الحقائق والمعطيات التي تعلقت بتحضيرات المنتخب الألماني قبل الخوض في ما حصل خلال مباراته المونديالية الأولى حتى نفهم أكثر أسباب هذا السقوط المفاجئ لألمانيا التي سارت على منوال منتخب الأرجنتين الذي خسر أولى مبارياته في مونديال إيطاليا سنة 1990 أمام منتخب الكاميرون المغمور آنذاك بعد أن توج بالمونديال السابق في المكسيك أو منتخب إسبانيا حامل لقب مونديال 2010 الذي قبل خمسة أهداف كاملة في المونديال الموالي في البرازيل أمام نظيره الهولندي.

ببساطة ودون بحث كبير فقد وقف كل الألمان على حقيقة واضحة قبيل المونديال تفيد بأن منتخب بلادهم ليس في أفضل حالاته إذ لم يقدر على استغلال فترة التحضيرات بالشكل المطلوب كي ينطلق بالسرعة القصوى نحو الأراضي الروسية للدفاع عن لقبه العالمي.

كانت ثمة مؤشرات سلبية ظهرت في بعض المباريات الودية، فمنتخب المانشافت لم يقدم أداء جيدا خلال الاختبارات الودية وكان مستواه أقل بكثير مما قدمه في السنوات الماضية. لقد تأكد للمتابعين أن أداء عدد من لاعبيه تراجع كثيرا بسبب تقدمهم في السن، فضلا عن ذلك فإن بعض اختيارات الجهاز الفني لم تكن موفقة، وتبعا لذلك رافقت بعض الأسئلة الحائرة هذا المنتخب عند بداية رحلته إلى الأراضي الروسية.

بيد أن الأهم من ذلك هو تسلل القلق والحيرة إلى المعسكر الألماني جراء الاحتجاجات الجماهيرية على وجود اللاعبين مسعود أوزيل وإلكاي غوندوغان في صفوف المنتخب الألماني، لقد تم التشكيك في وطينتهما وولائهما لألمانيا. حدث جلل حاولت وسائل الإعلام الألمانية التقليل من شأنه، لكنه “زلزل” أركان البيت وزعزع ثوابت “الماكينات”.ليس من السهل أبدا التعامل مع هكذا موقف ووضع. ليس من السهل بالمرة أن يتم تجاوز معطيات ثابتة تعاملت معها الجماهير الألمانية على أساس أنها “جرم” مشهود بحق ألمانيا. فما أقدم عليه أوزيل وغوندوغان عندما أعلنا مساندتهما وولاؤهما لرئيس تركيا الحالي في حملته الدعائية قبل الانتخابات الرئاسية في تركيا، لا يغتفر.

الأكثر من ذلك أن هذا الثنائي قاما بالتصوير مع رئيس تركيا وأهديا له قميصين كتبا عليهما “رئيسي”. لقد أعلنا من حيث لا يدريان أنهما لم يتخليا عن جذورهما التركية، لقد تحركت فيهما دماء العرق القديم، فكيف سيكون ولاؤهما لمنتخب ألمانيا بعد هذه الحادثة المربكة.

سارع الجميع بمن في ذلك المستشارة الألمانية إلى تطويق الأزمة. حاول الجميع تجاوز الأمر ووصفه بمثابة “الحماقة” غير المبررة من قبل اللاعبين، لكن بذرة الفشل أصبحت موجودة وجاهزة للزرع.

هي بذرة اتخذت مكانا كبيرا وأحدثت شرخا واضحا بين فئة كبيرة من الجماهير والمنتخب الألماني، فالبعض طالب بحتمية إبعاد “الخائنين”، لكن لوف أصر على حماية اللاعبين وتجاهل كل المواقف الصادرة ضد أوزيل وغوندوغان.

لكن هيهات، فما حدث أثر كثيرا في أجواء المنتخب الألماني وجعله يعيش على وقع ضغوط كبيرة، والمحصلة كانت مردودا باهتا ضد المنتخب المكسيكي وهزيمة ستزيد حتما من حجم هذه الضغوط.

23