بذريعة الرسم

الاثنين 2017/06/05

رسامو الساحات أو الشواطئ أو الشوارع صاروا جزءا من معمار المدن الغربية، وجودهم يُذكر بالسياحة ولا يُذكر بالرسم. ما من أحد منهم يطمح إلى أن يكون رساما تُعرض رسومه إلى جانب رسوم الفنانين الذين فضلوا شظف العيش مع الرسم على ترف الحياة من خلال مهنة رسم وجوه غرباء يقبض منهم الرسام ثمن أتعابه حين الانتهاء من عمله.

رسامو الساحات (مونمارتر في باريس مثلا) هم خدم المهنة التي تنتج رسوما، يحمل السائح رسمته معه إلى بيته ذكرى مروره بالمدينة، لن يكون مهما اسم الرسام وإن كان توقيعه مهما لتبدو اللوحة أصلية، حين الرسم يجتهد الرسام من خلال خبرته ليصل إلى شبه مقنع.

بالنسبة للسائح وهو المبهور بجلسته أمام رسام لن يكون ذلك الشبه مهما إلا بعد أن يعلق الصورة في منزله، يومها عليه أن يقتنع بأن الصورة تمثله، “كنت كذلك وكان الرسام عبقريا في التقاط ملامحي”. الرسام من جهته يعرف أن الشخص الذي يرسمه سيعقد معه صلحا حين يتعلق الأمر بالشبه، ما يرسمه رسامو الساحات هو تنويع على الوجه الإنساني الواحد، إنهم يدركون أن هناك فروقا ضئيلة بين وجه وآخر وهم لذلك يتحركون بحرية بين تلك المساحات.

ما لا يدركه الشخص الذي يُرسم يعرفه الرسام جيدا، غير أنه يتغاضى عنه، العملية كلها عبارة عن جلسة تصوير. “إنك تُرسم في مونمارتر بباريس لذلك لن تدفع ثمن الصورة وحدها”، لن تقال لك الجملة غير أنها تنبعث من داخلك، الرسام الذي يقبض ثمن أتعابه لن يفكر فيك، سيكون عليه أن يبحث عن زبون آخر.

قبل حوالي أربعين سنة غادر العراق رسامون شباب كانوا يشكلون من خلال مواهبهم نوعا من الأمل بالنسبة للرسم العراقي، غير أنهم تحولوا إلى رسامي ساحات، صاروا مادة لبلاغة سياحية، لقد أغرتهم تلك البلاغة بأموالها ونسائها ويسر أساليبها في العيش، ما هو ميؤوس منه اليوم أن تتم استعادتهم رسامين حقيقيين.

كاتب عراقي

16