بذور الحقد

السبت 2014/09/27

يتحدث بعض من أولياء الأمور عن شرعية استخدام إحدى وسائل العنف البسيط “التأديبي”، كنوع من العقوبات الرادعة مع الأطفال بدافع تقويم السلوك المعوّج. ويختلف تعريف هذا النوع من العنف “البسيط” بحسب درجة تعليم الآباء ووعيهم ومكانتهم الاجتماعية والاقتصادية وربما طبيعة تنشئتهم في الطفولة؛ فالبعض يستخدم أسلوب قرصة أذن تأديبية أو صفعة معتدلة أو ركلة خفيفة على الظهر تتبعها “عصرة” معتدلة للذراعين، لتأديب طفل أساء الأدب مع كبار السن، كما يجد البعض في العض والدفع إلى الخلف وغيرهما من الأساليب الأكثر عنفا، أسلوبا رادعا بعيد المدى يناسب طفلا بريئا يهوى تكرار الأخطاء من دون سابق تصور وتصميم.

أثبتت الأبحاث النفسية ونتائج اللقاءات التي أجراها متخصصون في جميع المجالات، منهم علماء اجتماع وعلماء نفس، مشرفين تربويين أطباء وحتى أفراد من الشرطة، مع بعض المراهقين الذين يعانون من مشكلات سلوكية خطيرة؛ كالإدمان على المخدرات واستخدام العنف مع زملائهم وأحيانا الاشتراك في عمليات سرقة وحتى قتل. كما أثبتت نتائج هذه اللقاءات جميعها أن جزءا كبيرا من ذاكرة المراهق “العنيف” تستقر في تلك المنطقة البعيدة من سنوات الطفولة المبكرة، وتحديدا السنوات الخمس الأولى، كما أن جزءا كبيرا من مخاوفه التي تكونت في تلك الفترة كان مردها مقدار العنف الجسدي والنفسي الذي تلقاه من قبل أقرب الناس إليه.

ويطبّق الطفل الصغير أجفانه على مشاهد العنف “الخفيف” التي واجهها في مقتبل سن البراءة، فتتحول لديه تلقائيا إلى تلال من مشاعر إحباط وخوف وغضب واستياء عميق وقائمة طويلة لا تنتهي من الجروح النفسية التي لا يمكن أن تندمل بسهولة وأهمها الشعور بالمهانة، حيث تتحول لديه صورة الوالدين من كونهما مصدرا للحماية والحنان والملاذ الآمن، إلى مرتع للخوف والقلق والرهبة، وقد يتطور استياؤه هذا إلى درجة تفقده الثقة بكل من حوله.

في بعض الحالات، يؤدي تسلط الوالدين باستخدامهم أحد أنواع العنف – بصرف النظر عن شدته- إلى انطباع هذه الصورة في ذاكرة الطفل الذي يكبر ليصبح مراهقا ينوء بأحقاده، فيتخذ خيار العنف غالبا لرد الصاع صاعين والثأر لكرامته المهدورة، حيث يوسّع دائرة سلوكه هذا ليشمل كل من يمت للسلطة بصلة؛ كالمعلم والشرطي. هذا السلوك عينه، يفسر من قبل الآباء بكونه قلة تهذيب واحترام، ناسين انهم هم من زرع بذرة الحقد وسقاها بقسوته لتنمو في صورة ردود فعل عدوانية، تختلف درجاتها أيضا قياسا مع شدة العنف الذي تعرض له الطفل في سنوات عمره المبكرة. ولأن بعض المراهقين يستطيعون تجاوز هذه المعضلة النفسية، فيغفرون للأهل أخطاء الماضي إلا أن النسيان أمر آخر.

العنف التأديبي، هو شكل من أشكال إساءة استخدام السلطة الأبوية كما أن اليد التي يستخدمها الأبوان في صفع طفلهم الصغير قد تعلّم جراحا نفسية كبيرة، ترافقه في مسيرة حياته وتثير أسئلة خطيرة بداخله؛ فهل من المعقول أن اليد التي تعطي وتربّت وتمازح هي ذاتها اليد التي تضرب وتهين وتجرح؟

21