براءة أطفالنا وقتامة المستقبل

الأحد 2017/07/09
لوحة: نوار حيدر

كلما نظرت إلى عيني طفلتي الصغيرة “سجى” ذات الأشهر الستة وكلما رحلت في بحار براءاتها وسحر قسماتها الملائكية وبسماتها التي توزعها بسخاء على كل من اعترض محياها وبمداعبة أو (هدهد) أمامها بترانيم ونغمات لا تشترط بالطبع أن تفهم مفرداتها لتواجه كل شيء أمامها تقريبا بالابتسامات والرضا إلا إذا كان الأمر متعلقا بجوع أو غزاها النعاس فتراها باكية حزينة حتى يحقق مبتغاها.

كلما ارتسم كل ذلك أمامي كلما شغلت تفكيري أسئلة حيرى تفجّر عباب الأمواج المتدفقة في بحر المجهول في آفاق المستقبل عن مصير مئات الأطفال أمثالها في هذا الوطن وعن الملايين في شتى بقاع العالم في ظل كل ما يعيشه الكون اليوم من حرب وأحداث ومتغيرات ومستجدات لم تعد تستثني بالطبع طفلا ولا كهلا ولا امرأة.

ولكم يبدو العالم قاتما وعبوسا ينذر بواقع أشد كآبة وأكثر أنانية ممّا كان الأولون يعيشونه وممّا نحن نعيشه اليوم وقد بتنا على شفا حفرة توشك أن تنهار بنا إلى دهاليز وأنفاق مظلمة لا تعرف للإنسانية وزنا ولا تقيم للكائن الآدمي أيّ اعتبار في سبيل تحقيق أهداف وأطماع مادية بحته تخلو من العاطفة بل تأدها تحت أقدام غول لا يعرف في الحياة إلا مصالحه ومكاسبه الضيقة.

وإذا كان الكثير منا قد عاش طفولة بائسة ولم يجد في الحياة إلا العلقم ووجد نفسه ومنذ نعومة أظافرة ينحت في الصخر ويواجه صروف الليالي وشدائدها فإن ذلك لا يعني بأيّ حال من الأحوال بأن أطفالنا أوفر حظا منا فلربما كانوا أتعس بكثير. فآبائنا وأجدادنا وإن كانوا قد أجبرتهم ظروفهم على عيش حياة قاسية وملاحقة الأرزاق كبارا وصغارا تحت مختلف الظروف وأشد الأحوال إلا أنهم يقينا تركوا لنا أمنا وثروات أيّا كانت عظيمة محفوظة في ظاهر الأرض وباطنها وانتهجوا أشد دروب الحياة الصعبة وابتعدوا عن عيش الترف والرفاه ليوفروا لأبنائهم وأحفادهم ما يجعلهم في مأمن من نكبات وتقلبات الزمن فماذا عسانا أن نترك نحن لأبنائنا الأبرياء الذين جاءت بهم الأقدار إلى عالم مادي جاف طغت فيه المصالح الآنية قصيرة الأمد على كل ما سواها. وماذا سيجدون من ورائنا وقد أتينا على كل شيء ودمرنا كل شيء حتى الآثار التي شيدها أسلافنا وتفننت أناملهم في تشييدها برغم إمكانياتهم ووسائلهم التقليدية لم تسلم من مراهقتنا ولم تكتف فقط بعدم الحفاظ عليها بل وتدميرها عيانا.

لقد بات الكثيرون في هذه الأرض يتسابقون ويركضون ركض الوحوش في البرية لتأمين حياتهم ومصالحهم على حساب مستقبل الأبرياء القادمين.. كل شيء لم يعد بمنأى عن أيادي العبث والطيش والجنون حتى المياه الجوفية لم تسلم من ذلك العبث المسعور فباتت مهددة بالنضوب.

أليس من حق أطفالنا أن تكتحل عيونهم بالحدائق والمتنزهات وأن يلهوا ويمرحوا في ظلال الأشجار الوارفة وفي بيئة نظيفة لا تهدد عوادمها وسمومها رئاتهم الصغيرة بأقسى العواقب وأشد الأمراض فتكا، ومن ينكر على الآباء أيضا حقهم في أن يشاهدوا صغارهم وهم يلهون ويمرحون ويحلمون وتكبر أحلامهم معهم في أجواء من الأمن والرخاء وبعيدا عن كل المنغصات والآلام والحروب.

ويقينا بأن من حق الجميع أن ينظر إلى المستقبل وعلى شفاهه بسمة أمل جميلة وفي قلبه المرهق والمثقل بالأعباء نبضة حب صادقة وشعور نبيل في ضمان العيش الكريم لمن هم يعيشون اليوم في عمر الزهور. ولكن كيف ونحن في زمان تسحق فيه الزهور عنوة ويداس فيه غصن الزيتون ولا شيء يعلو سوى لعلعة الرصاص وضجيج المدافع التي تقتل الصغار مع أحلامهم ولا تخلف إلا الدماء والخراب والدمار. وماذا عساه أن يحمل لنا المستقبل في طياته ونحن نشاهد من البشر اليوم من يهدد بعدّته وعتاده وجيوشه أمن الأرض وحياة ملايين الصغار والكبار غير مكترث بصرخات شعوب العالم ومناشداتهم.

وكيف يمكن أن تطغى ترانيم الأمل وبشائر الحياة على ويلات الحرب واليأس والإحباط ونحن نعيش في عالم ما تزال مواويل الحروب والدماء والأشلاء تطغى على جمال الحياة ونسائم الحرية وشذى الحقوق الإنسانية وماذا غدا أيها الزمن الآتي.

كاتبة من اليمن

ينشر الملف بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

14