براغماتية النهضة.. من إسلام سياسي منغلق إلى ليبرالية تطيح بالثوابت

التحولات الكثيرة في مواقف الإسلاميين بتونس، وخاصة حركة النهضة، تطرح تساؤلات حول دور المرجعيات الفكرية في توجيه المواقف السياسية، خاصة حين يقفز الموقف على ما عرفت به الحركات الإسلامية من تشدّد في قضايا حساسة مثل قضية المرأة.
الاثنين 2017/08/14
هل أفلتت المرأة التونسية حقا من سوق المزايدة بين حركة إسلامية وأخرى نسوية

لم يكن تصويت نواب حركة النهضة التونسية، على قانون تجريم العنف ضد المرأة خطوة عابرة في سياق التنازلات التي دأبت على تقديمها منذ سنة 2011 وما قبلها، وكانت تلك التنازلات توصف بالتكتيكية أو الجزئية بما في ذلك تغيير الاسم من حركة الاتجاه الإسلامي إلى حركة النهضة للاستجابة لقانون الأحزاب وتوقيعها على الميثاق الوطني في 1988 قبل أشهر من الصدام مع نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

ويمكن اعتبار المصادقة على القانون قطيعة مع هويّة الحركة كتنظيم إخواني أو جماعة إسلامية، ما يدعم تحاليل سابقة تقول إن الحركة التي عارضت تطبيق الشريعة واعتبرت تلك الخطوة غير ذات أولوية، وضعت ساقها على عتبة القطيعة مع الإسلام السياسي كهوية فكرية فقهية وإن ظلت تحتمي به سياسيا لمصالح ظرفية وتوازنات آنية.

ومن حق أي متابع لتجربة الإسلاميين في تونس أن يتساءل، كيف يمكن لحركة إسلامية كانت أدبياتها تحثّ على ستر المرأة صورة وصوتا ودورا أن تنقلب تماما، وتتخلى عن مفرداتها الفقهية وتستبدلها بمعجم “سيداو”؟

ومن الواضح أن قادة النهضة الذين وصفوا القرار بأنه أحد إنجازات الثورة، وأنه “امتداد لمجلة الأحوال الشخصية ولاستحقاقات الثورة وتحقيق المساواة ورفع الظلم عن النساء”، مثلما قال عنه رئيس الحركة راشد الغنوشي، كانوا يبحثون عن مجاراة الحركة النسوية، وهي حركة قوية وصوتها عال ولا تثق في وعود الإسلاميين وفتاواهم المحدثة.

وليس مستبعدا أن تجد النهضة نفسها مجبرة على مجاراة ضغط الحركة النسوية المطالبة بالمساواة في الإرث. وسبق للغنوشي أن أبان في حواره الشهير مع الجامعية نائلة السليني عن وجود أنواع عدة من تقسيم الميراث، عدد منها فيه تساو في النصيب بين المرأة والرجل، ومن الممكن أن تعلن النهضة عن تغليب حالة التساوي على آية “وللذكر مثل حظ الأنثيين” وفق تأويل مقاصدي يقوم على أن الأصل هو تحقيق المساواة. ويستفيد الغنوشي، وهو ينزع عنه جبة الإخواني القديم فقهيا، ويلبس ربطة العنق التي قد تجعله مقبولا وسط نخبة علمانية شديدة الولاء لبورقيبة، من توقف عقارب الخلاف الفكري داخل النهضة لعدة أسباب، بينها الهجوم الفكري الذي تتعرض له الحركة، ما أجّل الخلافات بشأن الهوية داخلها ومنعها من أن تتحول إلى قضية نقاش خاصة ما تعلق بوثيقة الرؤية الفكرية واللائحة الفكرية للمؤتمر العاشر وما بينهما من تعارض.

لكن السبب الأهم هو أن النهضة كفّت عن أن تتحرك كحركة بهوية شاملة وبدأت تتخصص كتنظيم سياسي يطارد المواقف والأخبار ولا يهتم كثيرا لحسابات الرأي والفقه، ولا يقيم حدودا بين الاجتهاد والقطيعة.

ويكفي هنا الإشارة إلى أن الفصل بين الدعوي والسياسي تحول إلى قطيعة تنظيمية أولا، وقطيعة في المبحث الاستراتجي ثانيا، وأن ما يشغل النهضويين الآن هو النقاش حول الإصلاح الداخلي ليس في اتجاه إعادة الحركة إلى هويّتها الأصلية الجامعة، وإنما لبناء تخصص سياسي مبني على تسيير المؤسسات بدل سيطرة الرئيس/المرشد الذي يطوع تلك المؤسسات وفق أفكاره وحساباته.

ولا يضيع الغنوشي، وبعض القيادات المحسوبة على فريقه مثل صهره وزير الخارجية السابق رفيق عبدالسلام، أو عضده خلال الإقامة في لندن لطفي زيتون، أي فرصة لتأكيد الانقلاب الفعلي على الأفكار التي تحيل إلى زمن كانت فيه الحركات الإسلامية تنظيمات سرية تريد تغيير العالم، بينما النهضة تكابد الآن لضمان البقاء في مشهد محلي معقد فكيف لو كان في فضاء أشمل؟

لقد كان الظهور بمظهر المنقلب على الزمن القديم أهم رسالة عكسها إصرار رئيس حركة النهضة على ارتداء ربطة عنق في الأيام الأخيرة، ووصلت الرسالة سريعا بعد الضجة التي أحدثها “اللوك” الجديد للغنوشي، لكن هل يقدر الزعيم التاريخي للجماعة والاتجاه الإسلامي والنهضة أن يقنع منتسبي التنظيم بأن يتغيّروا معه بربطة عنق، مع ما يحمله التحول من تخل عن نصف قرن من الحلم بتغيير العالم، وتسخير الأفكار الميالة للتغيير العنيف سواء لسيد قطب أو لأبي الأعلى المودودي، أو حتى لأفكار المجموعات الماركسية التي أجبرت طلبة الاتجاه الإسلامي أواخر السبعينات وكامل الثمانينات أن يؤمنوا بالتغيير الشامل بدل أفكار الإصلاح الجزئي التي كان يحملها بعض شيوخ الزيتونة الذين ساهموا في تأسيس التنظيم.

كيف يمكن لحركة إسلامية أن تتخلى عن مفرداتها الفقهية وتستبدلها بمعجم "سيداو" وخطاب الحركة النسوية

فيما حافظ الغنوشي على شعرة معاوية مع أنصاره الذين بدأوا بالتململ ضد الانقلاب على هوية صنعت وجودهم ومظلوميتهم، فإن لطفي زيتون ذهب بعيدا في الوضوح وتفسير “انقلاب ربطة العنق” في أبعاده الحقيقية. وقال زيتون في سياق التبشير بدلالات ربطة العنق إن “أساس الدولة هو البراغماتية وأساس الأيديولوجيا هو الدوغما(ئية) لذلك تتسم العلاقة بينهما بالتوتر المستمر، وتتحول الأيديولوجيا إلى طائفة عندما تتخذ زيّا خاصا يميّزها عن بقية المجتمع”.

وأضاف أن ارتداء رئيس حركة النهضة لما يعتبره التونسيون زيّا رسميا هو مغادرة منه لمربع الطائفة وخطوة نحو الدولة.

وواضح أن مقاربة زيتون، القيادي المثير للجدل بما في ذلك بين جمهور النهضة وقياداتها، تحتمل أن الحركة الإسلامية ذات الهويّة الإخوانية (سابقا) يمكن أن تنقلب على أسس تمايزها عن المجتمع بما في ذلك قضية الحجاب التي مثلت في زمن الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي واجهة لمعركة البقاء والهوية.

للحقيقة، فإن الحركة تحمل عناصر مساعدة في الانقلاب على الهوية، وكأنها كانت تتحضّر لمثل هذه اللحظة، فهي لا تمتلك وثائق رسمية ملزمة عدا الرؤية الفكرية التي عملت على تثبيت هوية الحركة في الصراع التاريخي بين الأشعرية والمعتزلة. وكان هدفها استرضاء بعض الشيوخ المؤسسين، ووضع التنظيم تحت مظلة الحركات الإسلامية الخارجية، خاصة والحركة على أبواب مواجهة آنذاك.

وكتب الغنوشي في دورية “فورين أفيرز” في أغسطس الماضي لتأكيد تمايز الحركة عن هويتها القديمة “بالطبع كوننا مسلمين فلا تزال قيم الإسلام ترشد أفعالنا، لكننا لم نعد نرى في النقاشات الأيديولوجية القديمة حول أسلمة المجتمع وعلمنته مهمّة أو حتى ذات صلة، ولم يعد التونسيون مهتمين بدور الدين، بقدر ما هم مهتمون ببناء نظام حكم ديمقراطي يسع الجميع”. ويبدو أن قادة النهضة الذين عاشوا في الغرب أصبح همّهم الأول صياغة رؤى تقنع الغرب للاعتراف بهم بقطع النظر عن توافق تلك الرؤى مع هوّياتهم الأصلية، أو توافقها مع حلفائهم وشركاء الأرضية الواحدة من حركات إسلامية سواء أكانت إخوانية أم سلفية، أم واقعة في منزلة بين المنزلتين.

واعتبر المعز الحاج منصور، أحد النشطاء على فيسبوك، أن “الغنوشي، وفي سياق التنازلات والتحولات المدهشة التي طرأت على سلوكياته، يبدو أنه قد قرر أن يتمايز عن الإسلام السياسي السنّي المألوف”، وأنه “يستميت في إظهار تحولات مشهدية يرسلها إلى القوى الدولية بأنه يمكن أن يكون متعاونا معها ومتنازلا عن تاريخيته وموروثه”.

ولا يبرّر معطى استرضاء الغرب لوحده كل هذه التنازلات، فإسلاميو تونس واقعون تحت ضغط هوية محلية لا يستطيعون الفكاك منها حتى لو جاهروا بمعاداتها، وهي هوية تتمحور حول مجلة الأحوال الشخصية التي وضعها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة.

ولئن حاول الإسلاميون استهداف المجلة بالتهوين منها، واتهامها بأنها معادية للشريعة، إلا أنهم عادوا للبحث عن “أسلمتها” والقول إن بورقيبة اعتمدها كمرجع للحياة الشخصية في البلاد بعد أن ساهم شيوخ زيتونيون في صياغتها، واعتبروها ثمرة اجتهادات لـ”الإسلام التونسي” المعتدل.

ومن الواضح أن الإسلاميين الذين تربوا في مناخ الدولة التي صنعها بورقيبة، اختلفوا معه بسبب الخطاب الوافد الذي أعجبوا به، والذي حمله الغنوشي من رحلته المشرقية، لكنهم ظلوا أبناءه وأوفياء للثقافة التي شكل بها وعي التونسيين حتى وإن تنطعوا قليلا.

ولا شك أن الإسلاميين، الذين استفادوا من ديمقراطية ما بعد الثورة للارتقاء إلى السلطة ولو جزئيا، وجدوا أنفسهم في حالة حراك وفرز سيزدادان حدة مع تقدم الوقت.

ومثلما أن حلم القوميين في تونس صار زيادة مواقعهم في البرلمان أو السيطرة على النقابات التي كانوا يكفرون بها، ومثلما أن همّ اليسار أن يكون رأس حربة في معارك الهوية، ولم تعد تربطه بالماركسية سوى الشعارات، فإن الإسلاميين على استعداد ليتماهوا مع النموذج الأم/الرأسمالي مقابل الاعتراف بهم والكف عن استهدافهم.

صحافي تونسي

13