براغماتية وتوافق وطاقة شرسة خطط عربية جديدة لمواجهة التحديات

الأربعاء 2015/01/21
التقلبات التي يمر بها الشرق الأوسط تضع أمنه القومي على المحك

يربط تقرير صدر عن مركز “ستراتفور” للشؤون الأمنية والاستراتيجية بين مختلف الأزمات المندلعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويضعها كلّها في بوتقة واحدة، فارتفاع أسعار النفط له علاقة بالتوتر بين إيران ودول المنطقة، وهذا بدوره يرتبط بالصراع الدائر في سوريا والعراق، وصولا إلى ما يجري في ليبيا وكيف ساعد غياب موقع عربي سنّي موحّد من استقواء جماعات الإسلام السياسي، الأمر الذي يفرض ترتيب العلاقات داخل المنطقة كبداية لحل الصراعات العالقة فيها.

الشرق الأوسط من بين المناطق الأكثر اضطرابا في العالم، والانتفاضات الشعبية والخلافات الدبلوماسية ليست غريبة عنه. بعد انتفاضة 2009 في إيران وسياسة التصعيد التي انتهجتها حكومة محمود أحمدي نجاد جاء ما يسمى بالربيع العربي ثم انتشار الصراع السوري داخل الأراضي العراقية وصولا إلى إمكانية إعادة ترتيب العلاقة الأميركية الإيرانية، بما يضرّ مصالح الدول العربية.

لكن على خلاف السنوات الأخيرة، من المحتمل أن نرى المصالح العربية السنية تتجه نحو التوافق ضمن استراتيجة جديدة، تتماشى وواقع المنطقة الخارجة من ضبابية نصف العشرية الأخير والآن بدأت تتشكل أسس مستقبلها. وهذه العملية لن تكون ناعمة أو مرتبة، لكن التغيرات تحدث بوضوح في ما يتعلق بالصراعات الدائرة في سوريا وليبيا فضلا عن توجّس المنطقة من الاستفزازات الإيرانية.

يدخل الشرق الأوسط سنة 2015 وهو يواجه عدة أزمات. إذ يبقى الوضع مضطربا في ليبيا ومشكّلا خطرا على أمن شمال أفريقيا، ويتوجب على منطقة المشرق والخليج العربي أن تفكّر في كيفية تعديل المسار في أعقاب المفاوضات الأميركية الإيرانية والحرب الشيعية السنية بالوكالة في سوريا والعراق. زد على ذلك الهبوط الحاد في أسعار النفط العالمية، إذ تواجه أغلب اقتصاديات الشرق الأوسط نتائج وخيمة باستثناء الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة التي يمكنها استخدام احتياطياتها المالية الكبيرة لتجاوز الأزمة.

3 ترليون دولار تقديرات احتياطي العملة الصعبة لدى السعودية والكويت والإمارات

تحطّمت القبضة الحديدية التي كان يسطر بها نظام صدام حسين على العراق وتم استبدالها بنظام بقدر ما هو معرّض لتهديدات الدولة الإسلامية، معرض لتهديدات مساراته السياسية الخاصة به. وقد ولّ عهد الزعماء المعمرين لدول مثل تونس وليبيا ومصر. وفي الوقت نفسه تواجه كل من الجزائر والسعودية وعمان تحولات غير مؤكدة يمكن أن تحدث في أي وقت هذه السنة، خاصة مع تواتر البيانات التي تتحدّث عن صحة زعماء هذه الدول. أما في ما يخص المسألة النووية الإيرانية فبعد أن كان الحوار الجدّي مع الولايات المتحدة أمرا مستبعدا تماما بالنسبة إلى كثيرين، نجد الآن أنه سرّع في بعض أكبر التحولات في الديناميات الإقليمية.


الدفع نحو التكاتف السني


استقبلت الرياض عام 2015، وسط ضغط شديد، نتيجة تداعيات ما واجهته قبل اثني عشر شهرا؛ وإضافة إلى مرض الملك عبدالله بن عبدالعزيز (نوبة من الالتهاب الرئوي أجبرت الحاكم البالغ 90 عاما من العمر على استقبال السنة الجديدة في المستشفى مع استخدام جهاز التنفس الاصطناعي)، دخل أكبر بلد منتج للنفط في العالم حرب أسعار مع منتجي النفط الصخري الأميركيين. وبما أن السعودية، وحليفتيها الأساسيتين في المنطقة الكويت والإمارات، تمتلك أكثر من 3 ترليون دولار من احتياطي العملة الصعبة، ستتمكن هذه البلدان من الإبقاء على استقرار مستويات الإنتاج على مدى المستقبل المنظور.

ليبيا، مثلها مثل سوريا، أرض معركة لطموحات إقليمية متنافسة

لكن منتجي النفط الآخرين الأعضاء في منظمة الأوبيك لم يتمكنوا من تجاوز الأزمة إذ أن انخفاض أسعار النفط بنسبة أربعين في المئة يضع ضغوطا مالية كبرى على إيران والحكومة العراقية الشيعية. ولأن تخطيط الرياض وبناءها للاحتياطي المالي يعني أنه من المستبعد تعرّض أمن المملكة الاقتصادي للتهديد في فترة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات قادمة. بل ستواصل السعودية التركيز ليس فقط على التصدي لإيران لكن كذلك على إعادة بناء العلاقات مع الفاعلين السياسيين السنّة الذين أصابهم الضعف في السنوات الأخيرة.

من جهتها تواصلت قطر مؤخرا مع الحكومة الليبية المعادية للإسلاميين في طبرق، ويبدو أن التوترات مع حكومة عبدالفتاح السيسي في مصر بدأت تهدأ. ويشير كلا الوضعين إلى احتمالية توجه دول مجلس التعاون الخليجي العربي نحو تبني موقف إقليمي موحد بداية من سنة 2015، وهو موقف منسجم أكثر مع رغبة الرياض في الحفاظ على هيكلة المجلس. وقد كان لغياب الانسجام في السياسات الخليجية تداعيات إقليمية واسعة النطاق بما في ذلك تمدّد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق.

دون تدخل عسكري أجنبي إلى جانب المعارضة لن تتمكن أي طائفة مشاركة في الحرب الأهلية السورية من إعلان نصر عسكري حاسم. ومع تضاؤل واقعية الوصول إلى نتيجة واضحة، يقوم مساندو بشار الأسد، الروس والإيرانيون، بتكثيف الجهود الدبلوماسية لمناقشة تسوية في سوريا، خاصة وأن البلدين متلهفان إلى التركيز من جديد على المصاعب الداخلية التي تسبب فيها الهبوط الحالي في أسعار مواد الطاقة العالمية. ولن يتحقق حل الأزمة السورية في 2015 بيد أن الفاعلين الإقليميين سيواصلون البحث عن حل للأزمة خارج ساحة العركة.

الاستقرار في شمال أفريقيا


تقليديا، تبعت شؤون شمال أفريقيا مسارا مختلفا عن مسار المشرق والخليج، وهذه حقيقة شكّلتها الطبيعة الجغرافية بقدر ما ساهمت في تشكيلها الفروق السياسية بين الحكومات العلمانية المستلهمة من الناصرية والممالك الخليجية.

تمثل ليبيا، مثلها مثل سوريا، أرض معركة لطموحات سنية إقليمية متنافسة. قامت قطر، وتركيا بدرجة أقل، بمساندة مجموعات الميليشيات الإسلامية بزعامة المؤتمر الليبي العام في طرابلس بعد أن اعترفت المجموعة الدولية بمجلس النواب المعادي للإسلاميين في طبرق. وتسيطر القوى السياسية والعسكرية المنحازة للإسلاميين على أكبر ثلاث مدن في ليبيا. وتخشى السعودية ومصر من احتمال حدوث تحول خطير في ليبيا، البلد الغني بالنفط على الحدود المصرية، وأن تصبح مساندا رسميا للإسلام السياسي. فقد ترك الصراع المتمركز على المدن الساحلية جزءا كبيرا من المناطق الصحراوية تحت تصرف الجهاديين الإقليميين إلى جانب مجموعة من أنشطة التهريب مما يطرح مخاطر أمنية كبيرة بالنسبة إلى الدول الإقليمية وكذلك المصالح الغربية.

هناك حاجة ماسة إلى قيادة سنية أقل نزعة إلى التفرقة لتنسيق الجهود الهادفة إلى حل الصراعات

أدى التعطل والصراع الداخلي إلى إفساد محاولات الفاعلين السنّة في المنطقة لصياغة استراتيجية متماسكة في سوريا، وهذا ما مكّن إيران من البقاء راسخة في المشرق (بالرغم من مواجهتها للضغط) ومواصلة إرسال الموارد إلى ساحات مثل الساحة الليبية والمصرية. ومن المحتمل أن يشهد العام الجديد هيكلية تتوصل فيها السعودية وقطر إلى تفاهم دقيق حول دور الإسلام السياسي في المنطقة. بعد أن شهدت سنة 2014 انقلابا خطيرا في حظوظ التنظيمات على طريقة الإخوان المسلمين، وهو ما خدم عن غير قصد تنظيمات متطرفة مثل الدولة الإسلامية.

إن سير إيران البطيء لكن الثابت في اتجاه تفاوض ناجح مع الولايات المتحدة، فضلا عن التهديدات التي يطرحها الإسلام الجهادي في كافة أنحاء المشرق العربي والعراق وشمال أفريقيا، كل هذا يتطلب إعادة ترتيب العلاقات داخل الشرق الأوسط على اختلاف المصالح فيه. وهناك حاجة ماسة إلى قيادة سنية أقل نزعة إلى التفرقة لتنسيق الجهود الهادفة إلى حل الصراعات في كل من ليبيا وسوريا، بالرغم من أن حل الصراعين لن يكون ممكنا في سنة 2015.

وبتكتل الموقف العربي السني، ستسلط ضغوط أكبر على ايران للوصول إلى تسوية عبر المفاوضات مع الولايات المتحدة مع نهاية العام. وفي حين أن بلوغ تسوية يمكن أن يكون مضرا للمصالح الخليجية، بدأ مجلس التعاون الخليجي في التحول إلى قبول براغماتي للاتفاق.

والهدف الجديد لمجلس التعاون الخليجي هو الحد من فرص إيران للنجاح بدل إنكاره مرة واحدة، وسيتحقق جزء من ذلك عن طريق استراتيجية طاقة شرسة جارية حاليا، أما الباقي فيأتي من المفاوضات الداخلية بين السعودية ومصر وقطر وتركيا. كما أن توفر قيادة خليجية أكثر تماسكا ستقيم حصنا منيعا ضد إيران في العراق والشام. لكن الأهم هو الفرصة المتوفرة للسنة في المنطقة ليطرحوا ردا أكثر نضجا وأكثر كفاءة على الضغوط المتزايدة.

6