براكين الشرق الأوسط تعقّد سياسة الولايات المتحدة في المنطقة

الخميس 2014/11/20
تحتاج واشنطن طهران لتحقيق الاستقرار في العراق

لندن- تمثل منطقة الشرق الأوسط مفصلا رئيسيا من مفاصل السياسة الأميركية، لكن مؤخرا رصدت مراكز الدراسات الاستراتيجية تراجعا في أهمية منطقة الشرق الأوسط في الإستراتيجية العالمية الأميركية، فهل ستنجح الولايات المتحدة في انتهاج سياسة فك الارتباط بمنطقة الشرق الأوسط وتخرج آمنة من بين الألغام التي زرعتها في المنطقة؟

يبدو أن الولايات المتحدة تتجه إلى غسل أيديها مما يحدث في منطقة الشرق الأوسط في خضم استعداداتها للتوصل إلى اتفاق نهائي حول الملف النووي مع إيران. ولأنها وجدت نفسها متورّطة في الحرائق المشتعلة في المنطقة، أضحت تسعى بكل السبل إلى تبرئة ساحتها والخروج آمنة من هذه المنطقة “الوعرة” التي أصبحت بؤرة إرهابية، والبحث عن طرق لإيهام العالم بأن ما حدث بالشرق الأوسط لا يتعلق بسياسة الولايات المتحدة، الممتدة على مدى سنوات في المنطقة، بقدر ما هو متأثّر بالتغيرات التي شهدتها المنطقة، في السنوات الثلاث الأخيرة.


هل أميركا بريئة من فوضى المنطقة؟


للتنصّل من المسؤولية في الشرق الأوسط تتحجّج واشنطن بأن ظهور الجماعات المتشددة (وعلى رأسها تنظيم داعش)، التي تسببت في كل هذه الفوضى التي تشهدها المنطقة، ناتج عن التفاعلات التاريخية والتحولات السياسية المكثفة التي شهدتها دول المنطقة في السنوات الأخيرة، ولا علاقة لها بتحركات الولايات المتحدة العسكرية أو السياسية من قريب أو من بعيد.

يدفع أنصار هذا الرأي نحو الاعتقاد بأن ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” وغيره من الجماعات الجهادية حدث على أنقاض دول فاشلة (أو في طريقها نحو الفشل)، وأن إخفاق الدول، التي مازالت قائمة، في تقديم البديل السياسي والاقتصادي القائم على العدالة في توزيع الثروة وفتح الباب أمام كل فصائل الشعب من أجل المشاركة في الحكم، منح قبلة الحياة للمتشددين.

ومثّلت تحركات “الدولة الإسلامية” النموذج الأمثل الذي تستند عليه واشنطن لتبرئة ساحتها من الألغام المتفجّرة في الشرق الأوسط. فالعقيدة السياسية لنشأة التنظيم كانت تقتات في الأساس على “المظلومية السنيّة”، سواء تلك الناتجة عن قمع نظام الرئيس السوري بشار الأسد للسنّة في سوريا، أو الاستبداد الذي مارسته حكومة نوري المالكي ذات الأغلبية الشيعية ضد السنّة في العراق عقب سقوط نظام الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين.

محللون يرجحون أن سبب إحجام أوباما عن قصف نظام الأسد في سوريا هو خشيته من غضب طهران

لكن، ذلك التبرير لا يبدو محل تصديق، فقد تناسى الأميركيون أن ظهور تلك الجماعات لم يبدأ مع فوضى “الربيع العربي” وشروع بعض مؤسسات دول المنطقة في الانهيار، بل إن ذلك بدأ مع الغزو الأميركي للعراق في 2003، ثم تطور إلى حد بعيد اليوم بعد انتفاضات 2011، فالشرق الأوسط يتّجه نحو الانهيار.


من المسؤول عن انفجار المنطقة؟


في تحليل، نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، يلوم الخبير السياسي أرون ديفيد ميلر من يحمّلون قرار الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بغزو العراق (عام 2003) مسؤولية النزاعات الحالية، ويفصلون ما بين الفوضى التي تعم المنطقة الآن وبين قرار باراك أوباما الانسحاب المبكر وغير المدروس من العراق، بالإضافة إلى سياساته الباهتة إزاء الأزمة السورية.

في ذات التقرير، أكّد ميلر أن التراشق بالتهم بين السياسين الأميركيين حول من المسؤول عما آلت إليه الأمور في الشرق الأوسط، لن يوضح أسباب نشوء تنظيم داعش، كما لن يكشف عن أبعاد الورطة الأميركية الراهنة في سوريا والعراق، مشيرا إلى أن ما حدث بالشرق الأوسط لا يتعلق بالولايات المتحدة بقدر ما يتعلق بالتغيرات التي شهدتها المنطقة. وقال إن الأمر المؤكد الوحيد هو أن الدواعش آخذون في التوسع بفضل فشل الدول الحاضنة لهم وافتقارها إلى أنظمة قابلة للحياة.

ولفت المستشار الأميركي في شؤون الشرق الأوسط إلى أن الأرضية الممهدة لازدهار داعش لا تقف حدودها عند سوريا والعراق، وإنما تتسع لتشمل دولا كبيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد باتت هذه الدول اليوم على شفى التفتت والانهيار.

ولئن اختلف الخبراء في الأسباب التي أدت إلى انتشار الفوضى في المنطقة العربية، فإنهم لا يختلفون، تقريبا، في تصويرهم للمشهد القائم في المنطقة اليوم، فليبيا وسوريا تسيران بخطى متسارعة نحو التقسيم بفعل الصراعات الداخلية، واليمن بدأ يغرق في هوة الفوضى نتيجة تحركات الحوثيين.

أرون ديفيد ميلر: لدينا مصالح ترغمنا على البقاء وسط أحداث الشرق الأوسط

كما أن دولة مثل لبنان غارقة في أزمة سياسية داخلية زاد من سوئها، عدم قدرته على حماية حدوده مع سوريا، ومنع أطراف مؤثرة في الساحة السياسية الداخلية، على غرار حزب الله، من توريط البلاد في الحرب السورية، التي بدأت آثارها تتسرب جزئيا إلى داخل لبنان. وحتى الدول التي مازال لديها نظام سياسي قويا، كمصر والأردن، تأثرت هي الأخرى بما يحدث حولها بسبب المشكلات الاقتصادية والصراعات السياسية.

هذه الصراعات لم تؤثر فقط على تلك الدول، بل أدت أيضا إلى تغيير موازين القوى في الصورة الإقليمية بشكل عام بعد أن فتحت الباب أمام كل من إيران وتركيا لتحقيق أحلام تاريخية ومطامع سياسة في المنطقة العربية.

ويشير آرون ميلر، في هذا السياق، إلى أنه من المفارقات الملفتة للانتباه أن إيران وتركيا وإسرائيل، على الرغم من كل الصعوبات التي تعاني منها، إلا أنها مازالت تحافظ على تماسك منطقي واستقرار لا تحظى به الدول المحيطة بها، إلى جانب تمتعها بطموحات اقتصادية واسعة وقدرة على إرسال جيوشها، أو فصائل منها، للعمل خارج حدودها.

يلخص بعض المحلليين الوضع في الشرق الأوسط بأنه ذروة حرب باردة بين عدة جهات، تتوسّطهم الولايات المتحدة، وقد وجدت الدول العربية، خاصة المتأثّرة بالاضطرابات، نفسها أمام مجموعة من الخيارات، ففي حين تصطف مصر والسعودية في جبهة تتبنى مواقف موحدة من قضايا المنطقة، تقف قطر وتركيا على الضفة المقابلة.

ولا تجد أنقرة والدوحة غضاضة في دعم الجهاديين، بينما ترى أغلب الأنظمة السنية الأخرى أن الجماعات، التي تصفها بـ”الإرهابية”، لم يكن لها أن تتوسع وتتخذ شكلا مغايرا لتنظيم القاعدة، الذي لم يتخط حدود “فأر يقبع في جحر منتظرا قطعة الجبن التي سيخرج لالتقاطها ويعود إلى داخل جحره مرة أخرى”، إلا من خلال دعم هاتين الدولتين لها.


من المستفيد من هذا الوضع؟


إيران هي المستفيد الأكبر مما يجري في المنطقة اليوم من استقطاب طائفي وصراعات مسلّحة وتنامي التنظيمات الإرهابية، فهذا الوضع وفق المحللين، ومن بينهم أرون ديفيد ميلر، يخدم طهران كلاعب محوري في المنطقة يحاول أن يكون له تأثير في كل قضية تهم الأميركيين.

من ثمة باتت هناك حاجة في الولايات المتحدة، أكثر من أي وقت مضى، إلى التقارب مع إيران خاصة بعد تعمّق أزمة داعش مؤخرا. والأهم هو التوصل إلى اتفاق نهائي، يحسب على المستوى الشخصي للرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير الخارجية جون كيري، بعد أن تراجعت شعبيتهما نتيجة الاخفاقات في السياسة الأميركية في المنطقة.

الأرضية الممهدة لازدهار داعش لا تقف حدودها عند سوريا والعراق

في معرض الحديث عن إيران، رجح ميلر أن يكون سبب إحجام أوباما عن قصف نظام الأسد في سوريا هو خشيته استثارة غضب النظام الإيراني بما يؤثر سلبا على سير المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني المزمع تكليلها باتفاق شامل قبل 24 من الشهر الجاري.

بالإضافة إلى ذلك تحتاج واشنطن طهران لتحقيق الاستقرار في العراق، خاصة مع الشيعة.

لكن على الجانب الآخر، لن توافق الولايات المتحدة على أي اتفاق طويل الأمد مع إيران من دون الحصول على الضوء الأخضر أولا من كل من الكونغرس، الذي بات الجمهوريون يمتلكون اليد العليا فيه، ثم من إسرائيل رغم حالة الجفاء التي سيطرت على العلاقات بينهما في الفترة الأخيرة.

ولأن لواشنطن مصالح ترغمها على البقاء وسط أحداث الشرق الأوسط المضطرب ولها حلفاء لا يمكنها التخلي عنهم، على حد تعبير ميلر، فإن باراك أوباما مطالب بأن يضع جانبا خلافاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأن يضمن أن بصمات إسرائيلية ستكون على أوراق الاتفاق النووي الإيراني، هذا إن كان هناك اتفاق.


هل تغادر أميركا الشرق الأوسط؟


وجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق فعلي، فواشنطن، على الرغم من حاجتها إلى طهران، فهي لا ترغب في نفس الوقت في إزعاج أصدقائها من دول الخليج. لذا فإن المحادثات مع الإيرانيين لا تقتصر فقط على الملف النووي كما تبدو، ولكنها أشبه بالمشي على الأشواك في منطقة براكين بالنسبة إلى الأميركيين.

من ثمة سيكون على الولايات المتحدة أن تتعامل مع شرق أوسط يعاني من فوضى لن يستطيع أحد إيقافها، وستكون مضطرة في ذات الوقت إلى الحفاظ على مصالحها في المنطقة، لا من خلال الابتعاد عنها كما كانت الإدارة الأميركية تخطط في السابق، بل عبر تثبيت أقدامها في مناطق النزاع بشكل “تبالي بما يدور في فضاء السحب، فلربما استطعت تدبر الأمر يوما ما”، على حدّ تعبير أرون ديفيد ميلر في ختام تحليله للحرب الباردة في الشرق الأوسط وموقع الولايات المتحدة فيها.

7