برامج "التوك شو" العراقية تستمد جمهورها من الفوضى السياسية

استفادت الفضائيات العراقية من التجربة العالمية لبرامج “التوك شو”، وحاولت تقليدها بطريقتها الخاصة، لكنها ابتعدت عن المعايير الإعلامية واستغلت الخلافات السياسية لجذب الجمهور بطريقة غير مهنية.
الخميس 2015/12/24
البشير شو.. التهكم على واقع سياسي ساخر

بغداد - أصبحت برامج “التوك شو” العلامة المميزة للقنوات الفضائية العربية عموما، وأخذت مكانة بارزة في القنوات العراقية خصوصا نتيجة الأحداث السياسية واختلاف السياسيين وآرائهم التي تعتبر المادة الأساسية لهذه البرامج، وتلقى رواجا ومتابعة من الجمهور.

ويرى المراقبون أن هذه البرامج إحدى وسائل الفضائيات للانتشار الواسع لكنها لم تترافق مع معايير مهنية، بل على العكس كانت سببا في إثارة سلبية للرأي العام.

وأصبح المشاهد العراقي أمام كم هائل من هذه البرامج التي تتناول قضايا سياسية وأمنية آنية وترتكز على استضافة سياسيين ومسؤولين غالبا ما يتبادلون التراشق والشتائم، وهما المادة المسلية التي منحت هذه البرامج شعبية واسعة بين العراقيين.

ويقول حسين داود في تقرير نشره بيت الإعلام العراقي إن آراء الخبراء وأصحاب الشأن تتباين في تقويم هذه البرامج وتأثيرها على المجتمع لكنها تجمع في الغالب على أنها تلعب دورا سلبيا في إثارة الرأي العام وتكرس الانقسام المجتمعي في ظل غياب ضوابط مهنية ذاتية، وضعف الثقافة المجتمعية في فرز الجيد من الرديء.

ومن الناحية الأكاديمية، تكمن وظيفة البرامج الحوارية في كشف الحقائق وإعطاء المعلومات والتحليلات الواقعية حول موضوعات تهم أكبر شريحة ممكنة من المشاهدين، بحسب راضي رشيد حسن أستاذ كلية الإعلام في الجامعة العراقية.

وأضاف حسن أن هذه البرامج تسهم أيضا في التعريف بالشخصيات السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والمسؤولين الحكوميين وإبراز أفكارهم وتجاربهم وبالتالي تعطي صورة ذهنية لدى الرأي العام عن تلك الشخصيات. ولا بد أن يؤدي هذا الأمر إلى التأثير في جمهور المشاهدين وتشكيل اتجاهاتهم.

وشدد على أن “نجاح هذه البرامج يتوقف على عناصر مهمة أبرزها الإعداد الجيد للأسئلة وقدرة الإعلامي على الحوار والتفاعل”.

برامج التوك شو العراقية أضحت مكانا للإسقاط السياسي والتشهير واستعراض كلامي للمشاكل السياسية والأمنية

واستفادت البرامج العراقية من برامج التوك شو كفن إعلامي بات يمتلك شعبية عالمية، حتى أصبحت بعض هذه البرامج متابعة من قبل الملايين ومن مختلف الدول والجنسيات مثل برنامج “ذا دايلي شو” ومقدمه الشهير جون ستيوارت قبل أن يستقيل الصيف الماضي بعد 16 عاما من العمل في البرنامج ويخلفه تريفور نوا.

وما يؤخذ على برامج التوك شو العراقية هو تقليدها لبرامج عالمية وعربية، وهو في الغالب تقليد أعمى يركز على تصاميم الاستوديوهات وطريقة الإعداد أكثر من الاهتمام بالجوانب المهنية حتى أضحت مكانا للتسقيط السياسي والتشهير والاستعراض الكلامي للمشاكل السياسية والأمنية.

وبات اليوم التراشق بالألفاظ وحتى تبادل الشتائم ظاهرة إعلامية لافتة في برامج التوك شو، أما المشاهد فقد بات متابعا شغوفا ينتظر مواعيد عرضها أكثر من متابعته لنشرات الأخبار، ويرصد الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي ما تشهده هذه البرامج من مفاجآت تثير المتابعين ليعاد نشرها على فيس بوك وتويتر ويوتيوب بعد تقسيمها إلى مقاطع وغالبا ما تحظى بمشاهدة عالية.

ويرى حامد السيد مقدم برنامج “ناس وحكومة” على قناة المدى أن أخطاء واسعة ومتفرعة تعاني منها البرامج الحوارية أبرزها تلك المتعلقة بضعف الإعداد وتأثر معدي ومقدمي البرامج بالإشاعة، إلى درجة أن بعضهم يعرضها على الضيوف بطريقة تجعلها أقرب إلى الواقع منتجا سجالا غير مهني وتراشقا غير مفيد، وهو ما يحرف البرامج عن مسارها.

وأضاف حامد أن برامج التوك شو في العراق تحتاج إلى جرأة في العمل الصحافي، والتزام بالقواعد المهنية والتخلي عن إظهار توجهات ومواقف، لافتا إلى أن إمكانيات النجاح متوفرة لهذه البرامج لو أنها قررت البحث عن الحقيقة التي يتطلع إليها المشاهدون بدلا من خيار تحويل دقائق البرامج إلى تراشق بين أصوات متباينة ذات مواقف متطرفة تعمق الصراع.

ويرى مراقبون أن المال السياسي الذي يسيطر على وسائل الإعلام المقروء منها والمرئي نتيجة متوقعة لابتعاد البرامج الحوارية عن المعايير المهنية التي تتطلبها برامج التوك شو، وما دامت الفضائيات مملوكة لأحزاب وقوى سياسية ورجال أعمال لهم مصالح، فمن الصعوبة إيجاد إنتاج برامج حوارية قادرة على الالتزام بالحد الأدنى من المعايير المهنية.

وتستخدم الفضائيات برامج التوك شو للترويج لمواقف سياسية، ولكن الاختلاف بطريقة الترويج لهذه المواقف، بعضها يعتمد على الاستعانة بضيوف يحملون نفس الأفكار وتخرج الحلقة بحوار حميم بين الضيوف ومقدم البرنامج الذي يشارك في إبداء رأيه ويحاول دعمه من خلال الضيوف، وبعضها الآخر يعتمد على السجال والاستعانة بضيوف معروفين بتناقض مواقفهم ومن كتل سياسية متصارعة يستخدمون الصوت العالي في كلامهم. ويقول الصحفي من البصرة مناف ابراهيم إن غالبية برامج التوك شو الحالية كرست من حيث تشعر أولا تشعر للانقسام المجتمعي، لأنها غالبا ما تركز على المواضيع المثيرة للجدل وتعمد للتكرار فيها من دون مناقشة هذه القضايا بمهنية، مضيفا أن الفضائيات العراقية لن تكون حيادية مهما حاولت لأنها في الغالب مملوكة لأحزاب.

ولا ينكر مناف وجود بعض برامج التوك شو التي ساهمت في كشف الحقائق وشكلت تأثيرا إيجابيا على الرأي العام وانتشارا واسعا وساهمت في مناقشة قضايا محورية.

18