برامج "التوك شو" لغة تواصل وجدت طريقها إلى القارة السمراء

شقت برامج التوك شو الساخرة طريقها إلى القارة الأفريقية وتحولت إلى ظاهرة استطاعت تحقيق نسب مشاهدة عالية، ويتحايل مقدمو هذه البرامج على قيود الرقابة بحسب درجة الحريات السياسية في دولهم.
الثلاثاء 2016/02/02
عدوى السخرية السياسية

تونس- انتقلت عدوى البرامج السياسية الساخرة إلى القارة الأفريقية، وحولت السياسيين في الحكومات والمعارضة إلى مادة دسمة ترفع التكلف من البرامج الحوارية التقليدية التي أصبحت ثقيلة على المشاهد في عصر مواقع التواصل الاجتماعي.

يفتتح كايتي وأكزومان، نجما الراب في السنغال، منذ 3 أعوام، برنامج “نشرة الأخبار المتلفزة” الساخر، بجملة “مرحبا، تفضلوا بالجلوس.. لدينا أخبار لكم!”، ويتناول البرنامج المستجدات السياسية بأسلوب هزلي يرفع عن هذه المادة الكثير من الجدّية التي تجعلها، في معظم الأحيان، غير محبّذة لدى المتلقي.

واستمتع المشاهدون بتعليقات الثنائي الساخر على زيارة الرئيس السنغالي، ماكي سال، إلى جامعة داكار منذ بضعة أشهر، بعد أن استقبله عدد من الطلبة بالحجارة، من قبيل، “ماكي، ورغم وزنه الزائد، إلاّ أنّه يمتلك ردود أفعال الملاكم، فهو يراوغ بجسده، يمنة ويسرة.. إنه سريع جدا أمام قاذفي الحجارة”، أو “مظلات الحراس تحولت إلى واقيات من ضربات الحجارة”. وترفع “نشرة الأخبار المتلفزة” شعار “في السنغال، يمكننا أن نسخر من القادة الأفارقة على شاشة التلفزيون، دون أن ينتهي بنا الأمر وراء القضبان”.

وعقب كيلا روسكيم، رئيس قسم علوم وتقنيات المعلومات والاتصال بجامعة نجامينا في تشاد، على الموضوع قائلا: إنّ البرامج التلفزيونية الساخرة، والتي ظهرت منذ بضع سنوات، أضحت، بفعل “التقليد الأعمى” متواجدة في كل مكان في أفريقيا جنوب الصحراء.

حرية التعبير في البرامج الساخرة مرتبطة بالبلدان التي تعرف استقرارا سياسيا واقتصاديا

وأضاف أنّ “ظروفا من قبيل دمقرطة المجتمعات، ساهمت في تنامي وانتشار مثل هذه البرامج، بل إنّ الأمر بات شبيها إلى حدّ ما بالاحتجاجات المناهضة للتعديلات الدستورية، بمعنى إنّه عدوى”.

واستطاع تصوّر حديث للمنوّعات التلفزيونية، مستوحى من البرامج الغربية، أن يشقّ طريقه إلى بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء، ليتحول، بمرور الوقت، إلى “ظاهرة”، على حدّ تعبير الأستاذ والباحث التشادي.

أمّا في كينيا، فيواصل برنامج “أكس واي زاد شو” الساخر، المقتبس من النسخة الفرنسية “قلابس الأخبار” والبرنامج البريطاني “سبايتنغ ايميج”، شد انتباه أكثر من مليون مشاهد أسبوعيا، وذلك منذ عام 2009، على قناة “سيتيزن” الخاصة.

وفي مشهد هزلي من هذا البرنامج الذي يعتمد أساسا، على الدمى المتحركة، بث عام 2013، باللغة السواحلية (لغة كينيا الرسمية)، تم تجسيد جمجمة للرئيس السابق، دانيال أراب (الذي حكم كينيا من عام 1978 إلى عام 2002)، تعج بالحشرات، مصحوبة بالتعليق التالي “لكي نفهم من أين ينبع الإرهاب المتفشي الذي يدمر البلاد”.

ويحظى هذا البرنامج بهامش كبير من حرية التعبير، مع أنّه يهاجم رموز الدولة الكينية الحالية، حرية مرتبطة بالنسبة للباحث التشادي، كيلا روسكيم، بـ “البلدان التي تعرف استقرارا سياسيا واقتصاديا، وتشهد مرحلة متقدمة من الديمقراطية الثقافية”.

واستعرض أمثلة لدول أفريقية ناطقة بالإنكليزية و”متقدمة للغاية” في مجال الحريات السياسية، على غرار، غانا وجنوب أفريقيا وكينيا وتنزانيا، حيث “يتقبل السياسيون هناك النقد”، بعكس بعض الدول الأفريقية الفرانكفونية (الناطقة بالفرنسية)، والتي مازالت أنظمتها الديمقراطية ناشئة وهشة، وهو ما يؤكد العلاقة الوثيقة بين حجم الحريات الإعلامية والأنظمة السياسية، ليس فقط في أفريقيا بل في جميع أنحاء العالم.

وأوضح الباحث التشادي، في هذا الصدد، أنّ “مضمون البرامج السياسية التي تبث على القنوات العمومية، مرتبط بالأساس بوزارات الاتصال والثقافة في بلدان مثل تشاد وموريتانيا والنيجر والكاميرون وغينيا وبوركينا فاسو”. وأشار إلى أن القنوات الخاصة هي التي تذيع، إجمالا، البرامج الساخرة بفضل استقلالها الإداري والتحريري، غير أن عددها يظل محدودا.

ووفقا لصحافيين كاميرونيين، فإنّ بعض البرامج الساخرة في المشهد السمعي البصري للبلاد تمكّنت، رغم كلّ شيء، من التعايش مع “رقابة متنكرة”، من ذلك الممثل الكوميدي أريستيد بيتنغا يانكوا، المعروف بـ”كاردينال أريستيد 1”، والذي يقدّم نفسه في الكاميرون، ومنذ 1996، على أنّه “صحافي ساخر”.

مضمون البرامج السياسية التي تبث على القنوات العمومية، مرتبط بالأساس بوزارات الاتصال والثقافة

وقدّم كاردينال أريستيد 1 برنامجي “حقيقة الصحافة” و”نشرة الخير”، من 2004 إلى 2015، على القناة التلفزيونية الخاصة “أس تي في”، قبل أن يتم قبوله، مطلع يونيو الماضي، من قبل “راديو وتلفزيون الكاميرون” الحكومي، حيث من المتوقّع أنّ يختبر “الرقابة الحقيقية”، على حد تعبيره.

وقال كاردينال، في حديث لوكالة الأناضول، إنّ “الضحك هو لغة تواصل، وقد وجد طريقه إلى القارة السمراء، كما أنّه يعتبر بمثابة قرص طبي مرّ، غير أنّه يخفف من حدة الآلام التي عادة ما تثيرها القضايا السياسية بشكل خاص”. وأضاف “أقدّم نفسي فنّانا محايدا، بوسعه أن ينتقد المعارضة كما النظام، ويفضح تجاوزات حكّامنا”.

غير أن الكوميدي الكاميروني سبق وأن واجه مضايقات غير مباشرة، قائلا “عندما عملت في قناة “أس تي في”، تلقيت، ذات مرة، رسالة تحذير من وزارة الاتصالات، على خلفية استضافتنا لأحد الأشخاص في البرنامج، معتبرة ذلك “تجاوزا”.

وتابع “في مناسبة أخرى، كنت أستمتع بانتقاد قيادي معارض وقلت، حينها، إن لم يجد عملا، فباستطاعته إرسال سيرته الذاتية إلى رئاسة الجمهورية، فكان أن اتّصل بي هذا القيادي، معربا عن احتجاجه لانتقادي له”.

وفي الكونغو الديمقراطية، يستقبل إليزر تامبوي، الصحافي المستقل ومقدم برنامج “توكومي وابي؟” (أين نحن؟ بلغة لينغالا المحلية)، أسبوعيا، سياسيا كونغوليا يطرح عليه أسئلة سياسية محرجة، بأسلوب ساخر.

وبفضل جرأته، سرعان ما اكتسب البرنامج قاعدة جماهيرية واسعة، غير أنه، وهربا من الرقابة، قرر المقدم لعب دور”المحايد” ببث برنامجه على قناتين مختلفتين، الأولى تدعى “قناة كين” المعارضة، والثانية قناة مقربة من السلطات، في “مناورة” لم تمنع أجهزة الأمن الكونغولية، من استجوابه، في العديد من المناسبات.

18