برامج الشهرة مقابل المال تخلط الجاد بالدعائي وتضلل الجمهور

سياسة بيع الهواء تكشف سيطرة التجارة على الدور الإعلامي في مصر.
الجمعة 2021/09/10
ضحايا الإعلام المزيف

اتجهت الكثير من القنوات الفضائية المصرية إلى تأجير الهواء لكل من يسعى للشهرة بغرض تعويض خسائرها من نقص الإعلانات، فتحول الأمر إلى فوضى وتضليل للمشاهد بمعلومات غير حقيقية.

القاهرة - احتلت برامج الشهرة مقابل المال مساحة في كثير من الشاشات المصرية بعدما كانت مقتصرة على قنوات محددة تسعى لتعويض خسائرها المادية وتحولت إلى ما يشبه الظاهرة بعد زيادة عدد القنوات العاملة في هذا المجال، وسط غياب من الهيئات المسؤولة عن تنظيم المشهد الإعلامي وضبط قواعده.

وتبدو عملية الفرز صعبة، حيث يؤدي التداخل بين الضيوف في بعض البرامج إلى غياب المعايير الموضوعية التي يمكن الحكم من خلالها على خبرة وأهمية ما يقدمه الضيف، وأرخت هذه المسألة بظلال سلبية على المخلصين والمتخصصين، فكثرة العملة (الضيف) الرديئة تكاد تقضي على العملة السليمة.

وأصبح من السهل على أي ضيف أن يطلب الظهور في برنامج بعينه بمقابل مادي بغض النظر عن تخصصه، إذ يتطلب الأمر تأجير فقرة من البرنامج يتحدث فيها كما شاء ويروج لنفسه بلا تحرّ عن طبيعة وظيفته.

واعتاد الطبيب المزيف الذي ضُبط قبل أيام في القاهرة الظهور على بعض القنوات المصرية، وكان من بين ضحاياه نجوم في الفن والرياضة، وقدم نفسه كمتخصص في العلاج الطبيعي ولديه خلطات سحرية للقضاء على الكثير من الأمراض المزمنة وتقويم الجسد وتبين أنه يمارس المهنة بالهواية وبغرض التربح.

حسن عماد مكاوي: البرامج الترويجية تقدم نفسها على أنها إعلام هادف

وأثبتت تحريات الأجهزة الأمنية وتحقيقات النيابة أن المتهم روّج لنفسه بين الناس من خلال ظهوره في عدد من البرامج وهو ينتحل صفة متخصص ودارس للعلاج الطبيعي، فصدقه كثيرون وتعاملوا معه ليكونوا ضحية للإعلام المزيف.

ومازالت أزمة البرامج التي يتم تأجيرها لشخصيات مجهولة خارجة عن سيطرة الهيئات المسؤولة عن تنظيم الإعلام، ولا يتم تطبيق القواعد المنظمة للعمل الإعلامي عليها، ولا توجد تحريات عن الأشخاص الراغبين في الظهور مقابل دفع الأموال، فما يهم هذه القنوات هو تحقيق إيراد إضافي بعد انخفاض سقف الإعلانات للحد الأدنى بها.

وحذر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من تأجير فقرات في البرامج لبعض الشخصيات من دون الحصول على موافقة المجلس والتواصل مع النقابات المهنية والمؤسسات المعنية، لكن هذا التحذير والتهديد بإمكانية وقف البرنامج لم يتم مراعاتهما وبقيت الفوضى على حالها.

وأكد حسن عماد مكاوي أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة أن غياب الضوابط الحاكمة لظاهرة تأجير الفقرات في البرامج التلفزيونية ضاعف من التأثيرات السلبية على صورة الإعلام، وقاد المشاهد إلى عدم القدرة على التفرقة بين الإعلام الحقيقي والإعلاني، حتى سيطرت مفاهيم المكسب والخسارة لدى القائمين على إدارة بعض القنوات وتجاهلوا دورهم المهني.

وأضاف مكاوي لـ“العرب” أن البرامج الترويجية تقدم نفسها على أنها إعلام هادف رغم مستواها السطحي واختفاء جودة المنتج، ولا يتم التركيز على المضمون الذي قد يحمل أخطاء بالجملة فيتعرض الناس لخديعة وقد يتعاملون مع الضيف باعتباره عالما في مجاله، مع أنه قد يكون بلا خبرة ويروج لنفسه دون ضوابط تحمي المشاهد منه.

ويتسلل ضيوف البرامج المؤجرة إلى الناس بطريقة ساحرة يقدمهم المذيعون بطريقة براقة تثير شغف الجمهور بالتعامل معهم، وأمام ارتفاع نسبة الأمية وبحث بعض المشاهدين عن حلول لمشكلاتهم يتعاملون مع هذه الشخصيات كمنقذين لهم، وهنا تظهر معالم التضليل الإعلامي.

وقال منتصر (ح)، وهو اسم مستعار لمعد بأحد البرامج الاجتماعية، إن هناك سماسرة لدى هذه القنوات تتم الاستعانة بهم كوسطاء بين البرامج والشخصيات الراغبة في الظهور بمقابل مادي نظير حصولهم على نسبة من القيمة المالية التي سيتم دفعها، ولا توجد معايير حاكمة لسياسة تأجير الهواء في بعض القنوات والمهم العائد الاقتصادي.

وأضاف لـ“العرب” أن اتجاه الكثير من القنوات لتأجير الهواء يتم بغرض تعويض خسائر نقص الإعلانات مقابل ارتفاع فاتورة الإنفاق وجمع مبالغ مالية من أطباء ومحامين وكل من يسعون إلى الشهرة وينسبون إلى أنفسهم تخصصات مطلوبة مجتمعيا، مثل الطب النفسي والعلاج بالأعشاب، بلا موافقة من الهيئات الإعلامية.

ويُفترض في أي طبيب يظهر في البرنامج ليخاطب الجمهور الحصول أولا على موافقة من نقابة الأطباء لتحديد درجته العلمية وتخصصه، لكن ذلك يتم التغاضي عنه في أحيان كثيرة بذريعة أن هذه القنوات غير مؤثرة للدرجة التي يمكن أن تتسبب في مشكلة مع أن لكل منبر إعلامي جمهوره عندما يناقش قضايا أسرية وطبية واجتماعية.

ولا توقع معظم القنوات التي تعتمد على سياسة بيع وتأجير الهواء عقودا مع الشخصيات الراغبة في الظهور على المحطة لتحميلهم مسؤولية دعايتهم حتى تتهرب من الضرائب التي حققتها من وراء المادة الإعلانية، وكثيرا ما يتم تقديم البرنامج كرسالة توعوية يقوم فيها الضيف بتقمص دور الناصح والخبير الذي يحتكر المعرفة.

عملية الفرز صعبة
عملية الفرز صعبة

وإذا كانت القنوات المعروفة ملكيتها وتؤجر البرامج تخضع لرقابة نسبية كي لا تتجاوز الخطوط الحمراء أو تنزلق إلى مستوى متدنِ من الإعلام، فهناك قنوات أخرى تبث على القمر الصناعي المصري “نايل سات” خارج سيطرة أي جهة، وهذه موجودة على القمر الفرنسي “يوتل سات” الذي يتواجد في نفس الحيز المداري للقمر المصري، وجميعها مدفوعة التكلفة وبلا ضوابط مهنية.

ووفق منتصر، فإن سياسة البرامج المدفوعة تعتمد على ترك الضيف يتحدث كما يشاء بلا تدخل من المذيع باعتبار أن المتحدث يمتلك الهواء مقابل المال، وغالبا ما يضع الضيف الأسئلة ويقوم المحاور بطرحها عليه بنفس الصيغة دون معالجة مهنية أو دفاع عن حق المشاهد في طرح الأسئلة الواقعية.

ويرى خبراء إعلام أن ظاهرة تأجير البرامج تعكس وصول الإعلام لمرحلة غير مسبوقة من الفوضى بشكل يجعل الجمهور مرتبكا ولا يستطيع التفرقة بين المادة التحريرية الجادة والإعلانية لأن الاثنين يتم تقديمهما عبر برامج تتجاهل التوعية.

ويظهر الواقع الذي وصلت إليه الكثير من القنوات التي تعتمد سياسة بيع الهواء أن الإعلام المصري لم يعد يجد أزمة في التحول من التوعية والتثقيف إلى ممارسة التجارة وهي فكرة تسيطر على إدارة بعض القائمين على إدارة المشهد الإعلامي.

ويؤيد خبراء إعلام وجود برامج تخصص فقرات لبث مواد إعلانية شريطة أن تصارح الجمهور بأن ما سيتم عرضه مادة مدفوعة الأجر، بحيث يكون المشاهد حرا في المتابعة وتصديق ما يعرض عليه أو يرفضه لأن ما يحدث بالطريقة الراهنة يندرج تحت بند الخداع، وتتعمد هذه البرامج تقديم ضيوفها ممن دفعوا تكلفة ظهورهم على أنهم متخصصون وعباقرة.

وتزداد المعضلة عندما يتعمد بعض ضيوف برامج الشهرة مقابل المال إثارة الضجيج ولفت انتباه الرأي العام إليهم بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة في قضية بعينها، أو نسف كل ما يطرح حول موضوع يكون مثار حديث الرأي العام أو يدعون أن لديهم الحلول لمشكلة جماهيرية مثل علاج بعض الأمراض المزمنة.

18