برامج الفضائيات المضحكة تفقد المسرح هويته

لم يعد المسرح، مقتصرا على العروض التي يذهب إليها الجمهور في الأماكن العامة المخصصة لذلك، حيث كشفت السنوات الأخيرة عن أطر جديدة لفكرة نقل المسرح إلى الجمهور مجانا، داخل المنازل عبر التلفزيون، وهو ما اعتبره الكثير من الفنانين والنقاد، انحدارا بفكرة المسرح أصلا، وطالبوا بضرورة عودة المسرح إلى مجده القديم.
الأربعاء 2016/11/16
محمد صبحي ظل وفيا لخطه الإبداعي

لا تنتهي محاولات القنوات الفضائية لتحقيق جذب جماهيري أكبر، وجلب المزيد من العوائد الإعلانية، وبعد أن أفسدت الفضائيات، حالة التواصل بين الجمهور والسينما، من خلال فتح العديد من الفضائيات المتخصصة التي تعرض الأفلام الجديدة بعد طرحها بأيام، تسعى حثيثا في الوقت الحالي، نحو إفساد المنظومة المسرحية، التي حاولت أن تتعافى قليلا بعد سنوات عجاف، نال فيها الإهمال من جميع المسارح، التي أغلقت أبوابها في وجه الجمهور.

فكرة قديمة

أصبحت البرامج التي يغلب على هويتها الشكل المسرحي كثيرة، وربما يعود تاريخها إلى عهد التلفزيون “الأبيض والأسود”، وقد ظهر ذلك، مع فرقة “ثلاثي أضواء المسرح”، التي تكونت في مصر من الفنانين الكوميديين، سمير غانم، وجورج سيدهم، والراحل الضيف أحمد، الذين كانوا يقومون بتقديم مشاهد مسرحية كوميدية قصيرة، تعرف بـ”اسكتشات”، حققوا من خلالها شهرة واسعة.

هذا النجاح، دفع عددا من الفنانين الشباب، إلى محاولة إعادة تكرار هذه التجربة الناجحة في الوقت الحالي، حيث شهد شهر رمضان الماضي، مسلسلا إذاعيا، بعنوان “ثلاثي أضواء الراديو”، لثلاثة من أبطال “مسرح مصر”.

ومعروف أن “مسرح مصر”، هو مسرح كان يقود فيه نجم الكوميديا المصري أشرف عبدالباقي، مجموعة من الممثلين الكوميديين الشبان، لتقديم مشاهد مسرحية سريعة، على خشبة مسرح إحدى الجامعات المصرية، ثم انتقل إلى أحد المسارح الكبرى في القاهرة، وأصبح عدد من هؤلاء الشبان نجوما في مصر الآن. ويعرض حاليا برنامج تلفزيوني، بعنوان “ثلاثي ضوضاء الحياة”، ويقدمه ثلاثة من الفائزين في برنامج “نجم الكوميديا”، ويقوم مضمونه على تقديم مجموعة من “الاسكتشات” الكوميدية، إضافة إلى استضافة فنان (أو فنانة) يشارك في العرض الكوميدي “الشو”، الذي يقدم في كل حلقة، موضوعا مختلفا.

الفنانة سميحة أيوب تتفق مع رؤية بهيج إسماعيل وأكدت أن المسرح من شروطه الحضور، وأن القائمين على ما يقدم في الفضائيات غير معنيين برسالة المسرح الحضارية والسياسية والاجتماعية، لأنهم لا يمتلكون الثقافة من الأساس

ورغم ما صنعه “ثلاثي أضواء المسرح”، من نجاح ظل ملازما الجمهور العربي حتى اللحظة، إلاّ أن هذا النموذج من البرامج اختفى بمرور السنوات، واقتصر في تسعينات القرن الماضي، على برامج “التنكيت”، التي قدمها عدد من “المونولوجيستات”، الذين يخلطون النكات بأغنيات ترفيهية سريعة، وأشهرهم الفنان المصري الراحل حمادة سلطان.

وحققت التجارب الأجنبية، نجاحا كبيرا، في تقديم البرامج الكوميدية، التي تحاكي أشكالا مسرحية، لكونها اتخذت من الأحداث الاجتماعية والسياسية، مجالا للسخرية، ما جعلها الأقرب إلى مشاهديها.

والأمثلة على ذلك كثيرة، منها البرنامج الذي يقدمه الممثل ومقدم البرامج الأميركي، جيمس كيميل، والذي يحمل اسمه، ويقوم خلاله باستضافة العديد من الفنانين، وتقديم “اسكتشات” وفيديوهات ساخرة ومضحكة، عن الحياة العامة والاجتماعية والفنية.

وهناك برنامج الممثلة الكوميدية الأميركية آلين دينغيريس (صاحبة سيلفي الأوسكار الشهيرة)، التي تقدم من خلاله كل ما يتعلق بقضايا الفن والإنسانية، التي تهم الرأي العام.

وأشهر نوعيات هذه البرامج، وأكثرها متابعة، البرنامج اليومي “ذا ديلي شو”، الذي يقدمه الإعلامي الأميركي الساخر، جون ستيورات، وقد اتخذه الإعلامي المصري، باسم يوسف، نموذجا في تقديم برنامجه، الذي حمل اسم “البرنامج”.

ولم يكن باسم يوسف، هو المصري الوحيد الذي قام بتمصير نسخة أجنبية من أحد البرامج الكوميدية، بل هناك الآن أيضا برنامج “أس أن أل”، الذي بدأت نسخته العربية في العرض على إحدى الشاشات المصرية المحلية مؤخرا، ويقوم من خلاله مقدموه، باستضافة فنان، يشاركهم في تمثيل بعض المواقف الكوميدية. وكان الفنان محمد صبحي، قد طرح برنامجا منذ فترة قريبة بعنوان “مافيش مشكلة خالص”، قدم من خلاله عروضا مسرحية بحضور تفاعلي من الجمهور داخل الأستوديو، وكان صبحي يجري معهم حوارات قبل بدء العرض.

استنساخ فاشل

رأى البعض من نقاد الفن في مصر أن تقديم هذه النوعية من البرامج يأتي في إطار الإحباط الذي تعيشه المنطقة العربية، وما يحاط بها من ظروف سياسية معينة، وهو ما جعل البعض، يستغل هذه الأزمات، ويقدم أفكارا لا تحمل هدفا أو رسالة بعينها.

وقالوا لـ”العرب”، إن محمد صبحي، هو الوحيد من بين مقدمي تلك البرامج، الذي لديه مشروع فني جدي، يدخل في مجال التربية في أحيان كثيرة.

وذهب الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل إلى أنه ليست هناك حركة مسرحية في مصر في اللحظة الراهنة، وأن مسارح الدولة تحوّلت إلى مؤسسة تضمّ مجرد موظفين، ما جعل “الروتين” يتدخل في المضمون الفني، فانصرف عنها الجمهور، ومن ثم جاءت مثل هذه البرامج المسرحية لتعوّض الجمهور عن افتقاده البسمة والضحك، واتهم كُتّاب الكوميديا بأن لديهم الكثير من الأزمات النفسية.

سميحة أيوب: محاكاة برامج "التنكيت" الغربية لم تنجح في إقناع المشاهد العربي

وأشار صاحب مسرحيتي “البرنسيسة” و”الدخول بالملابس الرسمية” لـ”العرب”، إلى أن الكوميديا صناعة فنية، وهناك جزء كبير منها يتوقف على عملية خلق الموقف، والكثير من الفنانين الذين يقدمون الكوميديا حاليا، ليسوا من صناع الكوميديا، ولا من العارفين بأسرارها، ووصفهم بأنهم مجرد “أراجوزات”، ولن يحتفظ لهم التاريخ الفني بشيء، على عكس الكوميديا التي قدمها شارلي شابلن مثلا، والتي مازالت محفورة في الذاكرة.

وهكذا، وكما يؤمن البعض من خبراء فن التمثيل، فإن لجوء البعض من الفنانين، إلى مسميات، مثل ثلاثي أضواء المسرح، معتمدين على شهرتهم، لا يعتبر كوميديا على الإطلاق، لأن الشرط الأساسي للضحك، أن يكون “جماعيا”، على خشبة المسرح.

واتفقت الفنانة سميحة أيوب مع رؤية بهيج إسماعيل وأكدت أن المسرح من شروطه الحضور، وأن القائمين على ما يقدم في الفضائيات غير معنيين برسالة المسرح الحضارية والسياسية والاجتماعية، لأنهم لا يمتلكون الثقافة من الأساس.

وأكدت أيوب لـ”العرب”، أنها عندما تشاهد بعض النجوم الأميركيين يقدمون تجاربهم المسرحية تشعر بحزن دفين تجاه ما تراه بالفضائيات المصرية، وأشارت إلى أن المسرح في مصر يحتاج إلى فكر وأشخاص مبدعين، وإذا تحقق هذا، فلن تتدخل سطوة الإعلان وتتحكم فيه، وتقدم ما نراه الآن على الشاشات من حالات مسرحية متدنية.

وشددت على ضرورة دعم الممثلين، الذين وصفتهم بـ”الكوادر”، والذين لا يجدون الفرصة ولا يحصلون إلاّ على أبخس الحقوق والماديات.

وستظل الحالة المسرحية المبتورة انعكاسا لواقع فني أصابه الكثير من التشويه، تحتاج إلى مراجعة من المسؤولين، حتى يتكاتف المضمون مع الشكل، ومن الضروري التخلص من الاقتباس كعملية سهلة قد تضحك مؤقتا، لكنها تفتقر إلى المعنى الحقيقي للمسرح باعتبار أنه “أبو الفنون”.

16