برامج المسابقات تكشف ضحالة الثقافات

الأربعاء 2016/01/06

الصدفة ساقتني إلى متابعة أحد برامج المسابقات على إحدى الفضائيات العربية البارزة، ونظرا لضخامة البرنامج ورواجه وجوائزه الكبيرة كان من المتوقع أن يعتني صانعوه بحسن اختيار المتسابقين ومستواهم الثقافي والمعرفي، لتحقيق النجاح والشعبية لبرامج المسابقات. فالجمهور يتحمس للمتسابق الذكي واللماح ولا يحب المشاهدون المتسابق المتلكئ، والمتعثر في أجوبته، بل يتحمسون للمتسابق “الشاطر”. وهذا هو طموح ومسعى مقدم برنامج المسابقات الذي يفرحه نجاح المتسابق وهو ينتقل من مرحلة إلى مرحلة أعلى، فالمقدم لا يسعى لإفشال المتسابق بل يحفزه نحو النجاح والفوز.

والذي أعرفه أن الجهات المنتجة لبرامج المسابقات تقوم عادة باختبارات ولقاءات لاختيار المتسابقين من بين المتقدمين، لضمان حد أدنى من المستوى الثقافي والمعرفي، إضافة إلى توفر حسن الظهور والإطلالة المريحة لكل متسابق، وحسن التصرف واللياقة. وكلها عناصر ضرورية لضمان تحقيق برنامج تلفزيوني ممتع وجذاب، فبرامج المسابقات يتم إدراجها في صنف برامج المنوعات، أي برامج التسلية الفورية، فإن فقدت خصائص فقراتها، فقدت عناصر نجاحها. في الحلقة التي شاهدتها، تملكتني الدهشة كما تملكت مقدم البرنامج نفسه، والذي ظهر عليه بوضوح الاستغراب من ضحالة معلومات المتسابقين وعجزهم عن الإجابة حتى على أسئلة البداية الأولية التي طرحت عليهم والتي عادة ما تكون حول أمور مألوفة في الحياة العامة، أي أنها تدور حول معلومات شائعة معروفة للصغير والكبير، والجواب عنها بداهة وتطرح في أول كل مسابقة والغرض منها ضمان مرور المتسابق إلى المرحلة التالية.

لذلك كانت دهشة مقدم البرنامج كبيرة عندما لم يعرف مثلا متسابق من تونس -قدموه لنا على أنه مهندس- أين تقع قبة الصخرة! وحاول مقدم البرنامج أن يساعده بأن قبة الصخرة إضافة إلى منزلتها الدينية عند المسلمين فإنها من الموضوعات السياسية التي تشغل الرأي العام العربي منذ سنين ويتردد اسمها دائما في الأخبار، ولكن ذلك المهندس العابس لم يكتشف أن قبة الصخرة في القدس إلا بعد أن كاد مقدم البرنامج أن يضع الجواب في فمه!

ولم يرغب المقدم النزيه والودود في أن يفشل المتسابق في المراحل الأولى من المسابقة، فاستمر يشجعه ويدفعه للاستعانة بالعوامل المساعدة المتوفرة له، ومع كل الجهد لم يستطع المتسابق أن يصل إلا إلى المرحلة الثالثة أو الرابعة من خمس عشرة مرحلة وانسحب من المسابقة.

وظهرت على الشاشة متسابقة مصرية، ذات وجه مشرق وابتسامة عريضة، وأيضا متعلمة وتحمل شهادة، وموظفة في دولة خليجية، ومع هذا لم تعرف بلاد الرافدين! وهنا كاد مقدم البرنامج أن ينفجر وأجبر نفسه على الابتسامة، وهز رأسه متحسرا، واستمر بطرح أسئلة البداية البسيطة عن أمور شائعة كي تنتقل المتسابقة إلى مرتبة أعلى.

وبعد الدعم والمساعدات عرفت بصعوبة جدا أن سد مأرب في اليمن وأن الألعاب الأولمبية أصلها من اليونان، مع أن ذلك يبدو واضحا وصريحا من كلمة أولمبيا نسبة إلى آلهة مدينة اثينا. ثم قررت الانسحاب مكتفية بما حصلت عليه في أول المشوار.

ولم تكن ردود فعل المتسابقين على الأسئلة الأخرى بأفضل، بل كانوا غالبا حائرين، مترددين، استهلكوا كل وسائل المساعدة وهم يبحثون عن أجوبة أسئلة البداية السهلة، ولم يتمكنوا من الاستمرار بالصعود إلى أكثر من السؤال الخامس من خمسة عشر سؤالا وهم متعلمون، يحملون شهادات جامعية، ولكن أغلبهم يفتقدون للمعلومات والمعارف الشائعة بين البشر، ولا يهتمون بأمور الحياة اليومية السياسية والثقافية والاجتماعية، كما يفتقدون حسن الأداء أمام الكاميرا في وسيلة جماهيرية.

والأهم من ذلك أن معظم المتسابقين لا يعرفون مستواهم الثقافي وقدراتهم العلمية والمعرفية، ويملكون الجرأة -بل الوقاحة- للاشتراك في مسابقة علنية أمام الجمهور يتطلب الحصول على جائزتها الإجابة عن أسئلة تصاعدية في شتى نواحي المعرفة، ورأيناهم يفشلون في البدايات.

ومما يثير الدهشة هو كيف تقبل إدارة الفضائية المنتجة لبرنامج المسابقات بإشراك أفراد بهذا المستوى المتواضع في برنامجها الكبير ولا تحرص على اتباع أسلوب مهني أصولي لانتقاء متسابقين مؤهلين لإغناء البرنامج بالأجوبة الذكية وإمتاع المتفرجين بحضورهم المتميز!

18