برامج المقالب المصرية تواجه المزاج العام السلبي بالضحك

الخبراء يصنّفون الفكاهة كوصفة سحرية تعزّز الثقة بالذات وتدعم التماسك الاجتماعي للشعوب في مواجهة الأزمات.
الخميس 2020/05/21
مغازلة القلوب الموجوعة والأعصاب المشدودة بمفارقات باسمة

وسط أجواء محفوفة بالمخاطر والشد العصبي، جاءت برامج السخرية والمقالب التي ملأت الفضائيات والمنصّات الرقمية لتراهن على تعطش المشاهدين إلى البهجة والخروج من النفق المُظلم والأوضاع الكارثية ولو لدقائق معدودة، ولذلك حقّقت هذه البرامج الخفيفة ملايين المشاهدات والمتابعات، وحظيت بردود فعل واسعة، بغض النظر عن تقييمها من الوجهة الفنية.

القاهرة – السعادة هي العُملة الأكثر ندرة والأغلى سعرا، ولذلك يزيد الإقبال على اقتناصها واقتنائها في الأحوال العصيبة، كأزمنة الحروب والأوبئة والحصار.

وإذا كان الأطباء يؤكّدون أن القلق والتوتّر والضغوط من أسباب تراجع الصحة النفسية والبدنية بما يُسهم في اهتزاز الجهاز المناعي للإنسان وزيادة انتشار فايروس كورونا المستجدّ، فإن الخبراء بدورهم يصنّفون الفكاهة كوصفة سحرية تعزّز الثقة بالذات وتدعم التماسك الاجتماعي للشعوب في مواجهة المآسي والأزمات. من هنا، جاءت برامج السخرية والمقالب الرمضانية هذا العام ذات طبيعة بالغة الخصوصية في ظل المحنة والعُزلة والخوف من العدوى.

وربما كان الأنسب تسمية برامج المقالب، ببرامج المرح والطرافة والسخرية، دون أي داعٍ لكلمة المقالب، فمن الواضح أن هذه المقالب في أغلبية البرامج وهمية ومدبّرة، والخدع صورية وقد يكون جرى الاتفاق على غالبيتها، والضحايا من الضيوف ممثلون متفاوتون في البراعة، لكنهم يشتركون في قدر من خفة الظل.

ومع ذلك، فإن هذه البرامج، وأبرزها على الفضائيات المصرية: “كريزي تاكسي” و”خلي بالك من فيفي” و”رامز مجنون رسمي” و”محدش فاهم حاجة”، حقّقت نجاحا ملاحظا، على المستوى الكمّي على الأقل، تجسّد في ملايين المشاهدات والمتابعات والتعليقات، رغم الانتقادات التي وجّهت إلى بعضها، وفاقت أرقام متابعيها الكثير من الأعمال الدرامية والبرامج الإخبارية والجادّة.

ولهذا الأمر تفسيره، وهو ببساطة أن هذه البرامج استطاعت تلبية تطلعات المشاهدين إلى ما هو أهمّ وأعمق من فكرة المقلب المختلَف على واقعيته وأصالته. وهو الضحك النابع من هذه المواقف الفانتازية، بوصفه كبسولة سحرية مكثفة من شأنها تعديل المزاج السيء سريعا، في هذه اللحظة الصعبة.

وانتبه باحثون كثيرون إلى هذه الأدوار الاستثنائية التي يمكن أن تضطلع بها الفكاهة، خصوصا في الظروف الطارئة وغير الطبيعية التي تعصف بالمجتمعات. من هؤلاء شاكر عبدالحميد، أستاذ علم نفس الإبداع، في كتابه “الفكاهة والضحك”، حيث أشار إلى الدور البارز للفكاهة في تفعيل التواصل الاجتماعي بين الأفراد والجماعات، وإزالة الخوف، وبثّ الشجاعة، وتعزيز التماسك بين الناس والتلاحم الشعبي.

ولعبت برامج المقالب الطريفة على أوتار حسّاسة في مغازلة القلوب الموجوعة والأعصاب المشدودة بمفارقات باسمة وتعليقات هزلية ساخرة من مقدّمي البرامج وضيوفهم، بما يبدو كمسرحيات قصيرة من مشهد واحد.

منار زين: القوة الناعمة مطالبة بتخفيف آثار العُزلة بالتفاؤل
منار زين: القوة الناعمة مطالبة بتخفيف آثار العُزلة بالتفاؤل

وعلى عكس ما قد يظنه البعض، من أن الظرف العام المحيط لا يسمح بتمرير هذا “التهريج” واستساغته، فإن الواقع أثبت غير ذلك، حيث إن الابتسامة التي ينصح بها الأطباء وعلماء الاجتماع والمختصون النفسيون هي أفضل الطرق للتخلّص من التوتر والأفكار السوداوية، والحصول على جرعات من الطاقة الإيجابية.

ومن البرامج الضاحكة التي لقيت تفاعلا كبيرا من ملايين المشاهدين هذا العام برنامج “كريزي تاكسي”، في موسمه الثاني، على قناة “الحياة” الفضائية، وهو من إخراج منار زين، وبطولة إبراهيم السمّان، الذي جسّد في كل حلقة شخصية مختلفة، لجرّ راكب التاكسي إلى مصيدة كوميدية محبوكة، ومحاولة استفزازه إلى أبعد الحدود في موقف درامي مليء بالضحكات والقفشات والارتجالات الطريفة.

وتشير منار زين، مخرجة “كريزي تاكسي”، لـ”العرب”، إلى أن الفن كأحد الأوجه الحيوية للقوة الناعمة عليه دور كبير في اللحظة الحرجة الحالية باعتباره طاقة نور متوهجة.

وتقول “صناعة الضحك من أنبل توجهات الفن وأصعبها، ومن خلال هذه الضحكة الصادقة الصافية والنابعة من القلب يمكن تخفيف آثار العُزلة وتنحية أشباح الوحدة والاكتئاب والتباعد جانبا لبعض الوقت، وشحن الأرواح بالتفاؤل والأمل والرغبة في مواصلة الحياة وتحدّي الصعاب”.

وتوضّح منار زين، التي لها رصيد ملموس وتجارب متعدّدة في الإخراج المسرحي، أن “كريزي تاكسي” قائم في أساسه على الدراما المتنامية من حيث تنوّع المواقف المتطوّرة وتعدّد الشخصيات التي يلعبها سائق التاكسي (30 مشهدا مختلفا في 30 حلقة)، ومن خلال المهارة التمثيلية لبطل الحلقات إبراهيم السمّان يتمّ تفجير ردود أفعال تلقائية للمشاركين “ضحايا المقالب”، الذين يُخاطبهم سائق التاكسي مرة بوصفه مطربا ومرة كمروّض حيوانات مفترسة، وهكذا.

وتضيف “هي ردود أفعال طبيعية وغير مصطنعة، إلى جانب قدرة السمّان على الارتجال، بما يؤدّي إلى استدعاء طاقة الضحك لدى الجمهور بشكل مكثّف، وتحقيق الهدف بإخراج المتلّقي من المزاج السيء، وانخراطه في معايشة أجواء المشهد الواقعي الخيالي، والاطلاع على نماذج متباينة من الحياة، بما ينسيه قليلا حالة التباعد الاجتماعي”.

وترى أن تطوير برامج المقالب أمر ضروري، فالمسألة ليست مجرّد خدعة عابرة، وإنما يجب أن يكون هناك بناء، وحبكة، وموقف متطوّر له بداية وتحوّل ونهاية.

وتشير إلى أن دخول بيوت الناس من أجل زرع الابتسامة مسؤولية كبيرة، فلا مجال للابتذال والإسفاف، وقد لاحظنا من تعليقات المشاهدين، من الكبار والأطفال على السواء، أن هناك حاجة حقيقية وماسّة إلى تجاوز الهموم بالتفاؤل والأمل والضحك، فاشتغلنا على أنفسنا من أجل إرضاء الأسرة المعزولة في بيتها.

وفي إطار الضحك القائم على المقالب أيضا، جاءت برامج أخرى كثيرة في هذا الموسم الرمضاني، واستأثرت فضائية “أم.بي.سي مصر” أحد فروع القناة السعودية الأم، بهذه النوعية من البرامج، فقدّمت ثلاثة برامج حقّقت ترندات فائقة وملايين المتابعات بمجرد الإعلان عنها والبدء في بث حلقاتها، وهي: “رامز مجنون رسمي”، و”خلي بالك من فيفي”، و”محدّش فاهم حاجة”.

وتميّز الأخير بأنه قائم على مشهد في الشارع يؤدي بطولته أفراد عاديون، بينما اصطاد البرنامجان الآخران الضحايا من الفنانين والمشاهير في مشاهد بلغت حد التخويف والإهانة والإساءة.

وحقّقت هذه البرامج غرضها بالوصول إلى أرقام قياسية من المتابعات والتعليقات بسبب ما ألقته من ظلال باسمة ومواقف مضحكة تزداد الحاجة إليها في الوقت الراهن، على الرغم من الانتقادات الكبيرة التي طالتها، ليس فقط على المستوى الفني من حيث “المقلب المفبرك” بفجاجة وتكلّف واصطناع في أغلب الأحوال، وإنما على مستوى المضمون كذلك، كما في “رامز مجنون رسمي” الذي انتفضت ضدّه توصيات إعلامية وشكاوى برلمانية في محاولة لإيقافه باعتبار أنه يحرّض على العنف ويروّج للتعذيب ويحتوي على ألفاظ خادشة للحياء.

وبعيدا عن النقائص الفنية والانتقادات الاجتماعية والأخلاقية، فإن كلمة السرّ التي ضمنت لبرامج المقالب حضورها وتسيّدها على هذا النحو في الموسم الرمضاني الحالي هي ما فيها من كوميديا وضحك وسخرية، فالفكاهة المجردة هي اللحظة الراهنة التي لا يشبع منها المشاهدون، لمقاومة حالة الإحباط العامة والسائدة.

16